إن السلطة على الكون بجميعه - فضلا عن بعضه - إذا كانت بأقدار الله تعالى وبإذن
منه - فهي بنفسها - لا تلازم الألوهية ، فكما أن الله أعطى لآحاد الإنسان قدرة
محدودة في أمورهم العادية وفضل بعضهم على بعض في تلك القدرة ، فكذلك
لا مانع من أن يعطي لفرد أو أفراد من خيار عباده قدرة تامة غير عادية على جميع
الكون ، أو بعضه ، وذلك بنفسه لا يستلزم الألوهية ، والذي يمكن أن يقع عليه
الكلام هو البحث عن وجود تلك القدرة وأنه سبحانه هل أعطى ذلك أو لا ؟
والقرآن يصرح بذلك في عدة موارد ، منها ما ورد في شأن يوسف - عليه السلام -
.
* النبي يوسف والسلطة الغيبية :
أمر يوسف - عليه السلام - إخوته بأن يأخذوا قميصه إلى أبيه ويلقوه على بصره
ليرتد بصيرا كما يقول القرآن الكريم في هذا الشأن :
( اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا ) ( يوسف - 93 ) .
( فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيرا ) ( يوسف - 96 ) .
إن ظاهر الآية يعطي أن رجوع البصر إلى يعقوب كان بإرادة يوسف وأنه لم يكن
فعلا مباشريا لله سبحانه وإنما فعل ما فعله يوسف بقدرة مكتسبة منه سبحانه .
ولو كان إشفاء يعقوب مستندا إلى الله سبحانه مباشرة بلا دخالة يوسف لما أمر
إخوته أن يلقوا قميصه على وجه أبيهم ، بل يكفي هناك دعاؤه من مكان بعيد ،
وليس هذا إلا تصرف لولي الله في الكون بإذنه سبحانه .
التوحيد والشرك في القرآن — صفحة 112
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص١١٢