ابن يزيد الجعفي ، عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر ، عن أبيه ، عن جده عليهم السلام ،
قال : قال أمير المؤمنين عليه السلام في خطبة خطبها بعد موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم بسبعة أيام ،
وذلك حين فرغ من جمع القرآن فقال :
الحمد لله الذي أعجز الأوهام أن تنال إلا وجوده ( 1 ) وحجب العقول عن أن
تتخيل ذاته في امتناعها من الشبه والشكل ، بل هو الذي لم يتفاوت في ذاته ، ولم
يتبعض بتجزئة العدد في كماله ، فارق الأشياء لا على اختلاف الأماكن ، وتمكن
منها لا على الممازجة ، وعلمها لا بأداة - لا يكون العلم إلا بها - ( 2 ) وليس بينه وبين
معلومه علم غيره ، إن قيل كان فعلى تأويل أزلية الوجود ، وإن قيل : لم يزل فعلى
تأويل نفي العدم ( 3 ) فسبحانه وتعالى عن قول من عبد سواه واتخذ إلها غيره
علوا كبيرا .
ونحمده بالحمد الذي ارتضاه لخلقه ، وأوجب قبوله على نفسه ، وأشهد أن
لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمد عبده ورسوله ، شهادتان ترفعان
القول ، وتضاعفان العمل ، خف ميزان ترفعان منه ، وثقل ميزان توضعان فيه ،
وبهما الفوز بالجنة والنجاة من النار ، والجواز على الصراط ، وبالشهادتين يدخلون
الجنة ، وبالصلاة ينالون الرحمة ، فأكثروا من الصلاة على نبيكم وآله ، إن الله
وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما .
أيها الناس إنه لا شرف أعلى من الإسلام ، ولا كرم أعز من التقى ، ولا
معقل أحرز من الورع ، ولا شفيع أنجح من التوبة ، ولا كنز أنفع من العلم ، ولا
عز أرفع من الحلم ، ولا حسب أبلغ من الأدب ، ولا نسب أوضع من الغضب ، ولا
هامش
( 1 ) أي لا يدرك منه إلا أنه تعالى موجود وأما ذاته فلا ، وفي البحار باب جوامع
التوحيد عن تحف العقول : ( أعدم الأوهام أن تنال إلى وجوده ) أي إلى ذاته .
( 2 ) هذه الجملة صفة لأداة والضمير المجرور بالباء يرجع إليها ، أي علم الأشياء لا بأداة
لا يكون علم المخلوق إلا بها .
( 3 ) أي ليس كونه وبقاؤه مقرونين بالزمان على ما يفهم من كلمة كان ولم يزل .