الثالث : لو نهى الله في كتابه عن النذر لغيره بصريح النهي لم يلزم منه كفر من نذر
لغيره إجماعا ، فكيف مع عدم نهيه عنه ؟ ، وقد نهى الله في كتابه العزيز عن الربا والزنا
وأكل أموال الناس بالباطل وحرمتها في دين الإسلام معلومة بالضرورة ، وقد أجمع
أهل الحق على عدم تكفير مرتكب واحد منها ما لم يكن مستحلا له .
الرابع : جهله الأمر والنهي ، والأمر والخبر ، والفرق بينها وجهله الخبر والإنشاء
والفرق بينهما ، فإنه قال في أول كلامه : ( وأنواع العبادة التي أمر الله بها ) ، وذكر
سبعة عشر مثالا بعضها خبر وبعضها أمر وبعضها نهي ، ثم قال في آخره : ( وغير ذلك
من العبادة التي أمر الله بها كلها لله فجعلها كلها أوامر ) ، وهذه الآية التي احتج بها
على كفر من نذر لغير الله خبر ، وليست أمرا ، والأمر قسم من أقسام الانشاء ، والإنشاء
مقابل للخبر وقسيم له وهما مندرجان تحت الكلام الذي هو جنسهما ، ولو فرضت أمرا
فإن أهل الحق مجمعون على عدم تكفير من لم يمتثل أمر الله من المسلمين كتارك الصلاة
مثلا ما لم ينكر وجوبه عليه ، كما أنهم متفقون على عدم تكفير مرتكب ما نهى الله عنه
صريحا في كتابه من المسلمين كأكل الربا والزنا ما لم يستحله .
الخامس : جهله تفسير الآية فإن الله تبارك وتعالى لما وصف ثواب الأبرار في الآخرة
مدح أعمالهم التي كانوا في الدنيا يعملونها فاستوجبوا بها ذلك النعيم بقوله : ( يوفون
بالنذر ) ، فهي مستأنفة مسوقة لبيان ما لأجله رزقوا ما ذكر من النعيم مشتملة على نوع
تفصيل ما ينبئ عنه اسم الأبرار إجمالا ، كأنه قيل : ماذا فعلوا في الدنيا حتى نالوا تلك
الرتبة العالية ؟ ، فقيل يوفون بما أوجبوه على أنفسهم فكيف بما أوجبه الله تعالى عليهم ،
وبهذا تحقق أنه ليس فيها شبه دليل لرأيه لا في منطوقها ولا في مفهومها فضلا عن الدليل .
السادس : لا يلزم من مدحه تعالى للأبرار على وفائهم بما نذروه كفر من لم
يوف ينذره أو نذر لمخلوق عند العقلاء .
السابع : الآية وإن دلت على وجوب الوفاء بالنذر مبالغة في وصف الأبرار بأداء
التوسل بالنبي ( ص ) وجهلة الوهابيين — صفحة 86
مساهمون: أبي حامد بن مرزوق
ص٨٦