وقوله تعالى : * ( ويوم نحشر من كل أمة فوجا ) * : هو تذكير بيوم القيامة ، والفوج
الجماعة الكثيرة ، و * ( يوزعون ) * معناه : يكفون في السوق ، يحبس أولهم على آخرهم ;
قاله قتادة ، ومنه وازع الجيش ، ثم أخبر - تعالى - عن توقيفه الكفرة يوم القيامة وسؤالهم
على جهة التوبيخ : * ( أكذبتم . . . ) * الآية ، ثم قال : * ( أما ذا كنتم تعلمون ) * على معنى استيفاء
الحجج ، أي : إن كان لكم عمل أو حجة فهاتوها . ثم أخبر عن وقوع القول عليهم ، أي :
نفوذ العذاب وحتم القضاء وأنهم لا ينطقون بحجة ، وهذا في موطن من مواطن القيامة .
ولما تكلم المحاسبي على أهوال القيامة ، قال : واذكر الصراط بدقته وهوله ; وزلته وعظيم
خطره ; وجهنم تخفق بأمواجها من تحته ، فياله من منظر ; ما أفظعه وأهوله ، فتوهم ذلك
بقلب فارغ ، وعقل جامع ، فإن أهوال يوم القيامة إنما خفت على الذين توهموها في الدنيا
بعقولهم ، فتحملوا في الدنيا الهموم خوفا من مقام ربهم ، فخففها مولاهم يوم القيامة عنهم ،
انتهى من " كتاب التوهم " .
* ( ويوم ينفخ في الصور ) * وهو القرن في قول جمهور الأمة ، وصاحب الصور هو
إسرافيل - عليه السلام - ، وهذه النفخة المذكورة هنا هي نفخة الفزع / ، وروى أبو
هريرة أنها ثلاث نفخات : نفخة الفزع ، وهو فزع حياة الدنيا وليس بالفزع الأكبر ، ونفخة
الصعق ، ونفخة القيام من القبور . وقالت فرقة : إنما هما نفختان : كأنهم جعلوا الفزع
والصعق في نفخة واحدة مستدلين بقوله تعالى : * ( ثم نفخ فيه أخرى . . . ) * الآية [ الزمر : 68 ] .
قالوا : وأخرى لا يقال إلا في الثانية . قال * ع * : والأول أصح ، وأخرى يقال في الثالثة ،
ومنه قوله تعالى : * ( ومناة الثالثة الأخرى ) * . [ النجم : 20 ] .
وقوله تعالى : * ( إلا من شاء الله ) * استثناء فيمن قضى الله سبحانه من ملائكته ، وأنبيائه ،
وشهداء عبيده أن لا ينالهم فزع النفخ في الصور ، حسب ما ورد في ذلك من الآثار .
جواهر الحسان في تفسير القرآن ( تفسير الثعالبي ) — صفحة 260
مساهمون: الثعالبي
ص٢٦٠