وجمهور المفسرين ، أي : يمطرون ، وجائز أن يكون من أغاثهم الله : إذا فرج عنهم ، ومنه
الغوث ، وهو الفرج ، ( وفيه يعصرون ) : قال جمهور المفسرين : هي من عصر النباتات ،
كالزيتون ، والعنب ، والقصب ، والسمسم ، والفجل ، ومصر بلد عصر لأشياء كثيرة .
وقوله سبحانه : ( وقال الملك ائتوني به فلما جاءه الرسول . . . ) الآية : لما رأى
الملك وحاضروه نبل التعبير وحسن الرأي ، وتضمن الغيب في أمر العام الثامن ، مع ما
وصف به من الصدق عظم يوسف في نفس الملك ، وقال : ( ائتوني به فلما جاءه الرسول
قال ارجع إلى ربك ) : يعني : الملك ، ( فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن ) ،
وقصده عليه السلام بيان براءته ، وتحقق منزلته من العفة والخير ، فرسم القصة بطرف منها ،
إذا وقع النظر عليه ، بأن الأمر كله ، ونكب عن ذكر امرأة العزيز ، حسن عشرة ورعاية لذمام
ملك العزيز له ، وفي " صحيح البخاري " ، عن عبد الرحمن / بن القاسم صاحب مالك ، عن
النبي صلى الله عليه وسلم : " ولو لبثت في السجن لبث يوسف لأجبت الداعي " : المعنى : لو كنت أنا ،
لبادرت بالخروج ، ثم حاولت بيان عذري بعد ذلك ، وذلك أن هذه القصص والنوازل ، إنما
هي معرضة ليقتدي الناس بها إلى يوم القيامة ، فأراد صلى الله عليه وسلم حمل الناس على الأحزم من
الأمور ، وذلك أن التارك لمثل هذه الفرصة ربما نتج له بسبب التأخير خلاف مقصوده ، وإن
كان يوسف قد آمن ذلك ، بعلمه من الله ، فغيره من الناس لا يأمن ذلك ، فالحالة التي ذهب
النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه إليها حالة حزم ومدح ، ليقتدى به ، وما فعله يوسف عليه السلام حالة صبر
وتجلد ، قال ابن العربي في " أحكامه " : وانظر إلى عظيم حلم يوسف عليه السلام ووفور
أدبه ، كيف قال : ( ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن ) ، فذكر النساء جملة ، لتدخل فيهن
امرأة العزيز مدخل العموم ، بالتلويح دون التصريح . انتهى . وهذه كانت أخلاق نبينا
محمد صلى الله عليه وسلم ، لا يقابل أحدا بمكروه ، وإنما يقول : " ما بال أقوام يفعلون كذا " ، من غير
تعيين ، وبالجملة فكل خصلة حميدة مذكورة في القرآن اتصف بها الأنبياء والأصفياء ، فقد
جواهر الحسان في تفسير القرآن ( تفسير الثعالبي ) — صفحة 332
مساهمون: الثعالبي
ص٣٣٢