قال * ع * : فعلى هذا إنما أعلمهم بأنه يعلم مغيبات لا تعلق لها برؤيا ، وقصد
بذلك أحد الوجهين المتقدمين ، وهذا على ما روي أنه نبئ في السجن فإخباره كإخبار
عيسى عليه السلام .
وقوله : ( تركت ) ، مع أنه لم يتشبث بها جائز صحيح ، وذلك أنه أخبر عن تجنبه من
أول بالترك ، وساق لفظ الترك استجلابا لهما عسى أن يتركا الترك الحقيقي الذي هو بعد
الأخذ في الشئ ، والقوم المتروك ملتهم : الملك وأتباعه .
وقوله : ( وأتعبت . . . ) الآية : تماد من يوسف عليه السلام في دعائهما إلى الملة
الحنيفية .
وقوله : ( ما كان لنا أن نشرك بالله من شئ ) ، " من " : هي الزائدة المؤكدة التي
تكون مع الجحود .
وقوله : ( لا يشكرون ) : يريد : الشكر التام الذي فيه الإيمان بالله عز وجل .
وقوله : ( يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ) : وصفه
لهما ب ( صاحبي السجن ) من حيث سكناه ، كما قال : ( أصحاب الجنة ) و ( أصحاب
النار ) ونحو ذلك ، ويحتمل أن يريد صحبتهما له في السجن ، كأنه قال : يا صاحباي في
السجن ، وعرضه عليهما بطلان أمر الأوثان بأن وصفها بالتفرق ، ووصف الله تعالى بالوحدة
والقهر تلطف حسن ، وأخذ بيسير الحجة قبل كثيرها الذي ربما نفرت منه طباع الجاهل
وعاندته ، وهكذا الوجه في محاجة الجاهل : أن يؤخذ بدرجة يسيرة من الاحتجاج يقبلها ،
فإذا قبلها ، لزمته عنها درجة أخرى فوقها ، ثم كذلك أبدا حتى يصل إلى الحق ، وإن أخذ
الجاهل بجميع المذهب الذي يساق إليه دفعة أباه للحين وعانده ، ولقد ابتلي بأرباب
جواهر الحسان في تفسير القرآن ( تفسير الثعالبي ) — صفحة 327
مساهمون: الثعالبي
ص٣٢٧