فاعل على بابه ، وقوله : ( إلا من رحم ) : يريد : إلا الله الراحم ، ف " من " كناية عن الله ،
المعنى : لا عاصم اليوم إلا الذي رحمنا .
وقوله سبحانه : ( وقيل يا أرض ابلعي ماءك . . . ) الآية : البلع : تجرع الشئ ،
وازدراده ، والإقلاع عن الشئ : تركه ، و ( غيض ) معناه : نقص ، وأكثر ما يجيء فيما هو
بمعنى الجفوف ، وقوله : ( وقضي الأمر ) : إشارة إلى جميع القصة : بعث الماء ، وإهلاك
الأمم ، وإنجاء أهل السفينة .
قال * ع * : وتظاهرت الروايات وكتب التفسير بأن الغرق نال جميع أهل
الأرض ، وعم الماء جميعها ، قاله ابن عباس وغيره ، وذلك بين من أمر نوح بحمل الأزواج
من كل الحيوان ، ولولا خوف فنائها من جميع الأرض ، ما كان ذلك ، وروي أن نوحا عليه
السلام ركب في السفينة من عين الوردة بالشام أول يوم من رجب ، واستوت [ السفينة ] على
الجودي في ذي الحجة ، وأقامت عليه شهرا ، وقيل له : ( اهبط ) في يوم عاشوراء ، فصامه
هو ومن معه ، وروي أن الله تعالى أوحى إلى الجبال ، أن السفينة ترسى على واحد منها ،
فتطاولت كلها ، وبقي الجودي ، وهو جبل بالموصل في ناحية الجزيرة ، لم يتطاول ،
تواضعا لله ، فاستوت السفينة بأمر الله عليه ، وقال الزجاج : الجودي : هو بناحية " آمد " ،
وقال قوم : هو عند باقردي ، وأكثر الناس في قصص هذه الآية ، والله أعلم بما صح من
ذلك .
وقوله : ( وقيل بعدا ) : يحتمل أن يكون من قول الله عز وجل ، عطفا على قوله :
( وقيل ) الأول ، ويحتمل أن يكون من قول نوح والمؤمنين ، والأول أظهر .
وقوله : ( إن ابني من أهلي . . . ) الآية : احتجاج من نوح عليه السلام أن الله أمره
جواهر الحسان في تفسير القرآن ( تفسير الثعالبي ) — صفحة 285
مساهمون: الثعالبي
ص٢٨٥