( ولئن أخرنا عنهم العذاب ) ، أي : المتوعد به ( إلى أمة معدودة ) ، أي مدة معدودة
( ليقولن ما يحبسه ) ، أي : ما هذا الحابس لهذا العذاب ، على جهة التكذيب ، ( وحاق ) :
معناه : حل وأحاط . البخاري : حاق : نزل .
( ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة . . . ) الآية : " الرحمة " هنا : تعم جميع ما ينتفع به
من مطعوم وملبوس وجاه وغير ذلك ، و ( الإنسان ) هنا اسم جنس ، والمعنى : إن هذا
الخلق في سجية الإنسان ، ثم استثنى منهم الذين ردتهم الشرائع والإيمان / إلى الصبر
والعمل الصالح ، و ( كفور ) هنا : من كفر النعمة ، وال ( نعماء ) : تشمل الصحة والمال ،
وال ( ضراء ) : من الضر ، وهو أيضا شامل ، ولفظة ( ذهب السيئات عني ) : يقتضي بطرا
وجهلا أن ذلك بإنعام من الله تعالى ، و ( السيئات ) هنا : كل ما يسوء في الدنيا ،
وال ( فرح ) ، هنا : مطلق ، فلذلك ذم ، إذ الفرح انهمال النفس ، ولا يأتي الفرح في القرآن
ممدوحا إلا إذا قيد بأنه في خير .
وقوله : ( إلا الذين صبروا ) : استثناء متصل ، على ما قدمنا من أن الإنسان عام يراد
به الجنس ، وهو الصواب ، ومن قال : إنه مخصوص بالكافر قال : ههنا الاستثناء منقطع ،
وهو قول ضعيف من جهة المعنى ، لا من جهة اللفظ ، لأن صفة الكفر لا تطلق على جميع
الناس ، كما تقتضي لفظة الإنسان واستثنى الله تعالى من الماشين على سجية الإنسان هؤلاء
الذين حملتهم الأديان على الصبر على المكاره ، والمثابرة على عبادة الله ، وليس شئ من
ذلك في سجية البشر ، وإنما حمل على ذلك خوف الله وحب الدار الآخرة ، والصبر على
العمل الصالح لا ينفع إلا مع هداية وإيمان ، ثم وعد تعالى أهل هذه الصفة بالمغفرة
للذنوب والتفضل بالأجر والنعيم .
وقوله سبحانه : ( فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لولا
أنزل عليه كنز ) : سبب هذه الآية : أن كفار قريش قالوا : يا محمد ، لو تركت سب آلهتنا ،
وتسفيه آبائنا ، لجالسناك واتبعناك ، وقالوا له : ائت بقرآن غير هذا أو بدله ، ونحو هذا من
جواهر الحسان في تفسير القرآن ( تفسير الثعالبي ) — صفحة 274
مساهمون: الثعالبي
ص٢٧٤