وقوله سبحانه : ( ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما
بأنفسهم . . . ) الآية : معنى هذه الآية إخبار من الله سبحانه ، إذا أنعم على قوم نعمة ، فإنه
بلطفه ورحمته لا يبدأ بتغييرها وتنكيدها ، وكان حتى يجيء ذلك منهم ، بأن يغيروا حالهم التي
تراد ، أو تحسن منهم ، فإذا فعلوا ذلك ، غير الله نعمته عندهم بنقمته منهم ، ومثال هذه
نعمة الله على قريش بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، فكفروا به ، فغير الله تلك النعمة ، بأن نقلها إلى
غيرهم من الأنصار ، وأحل بهم عقوبته .
وقوله تعالى : ( كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآيات / ربهم فأهلكناهم
بذنوبهم ) ، هذا التكرير هو لمعنى ليس للأول ، إذ الأول دأب في أن هلكوا ، لما كفروا ،
وهذا الثاني دأب في أنه لم يغير نعمتهم ، حتى غيروا ما بأنفسهم ، والإشارة بقوله :
( والذين من قبلهم ) ، إلى قوم شعيب وصالح وهود ونوح وغيرهم .
وقوله سبحانه : ( إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون * الذين
عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون ) ، أجمع المتأولون ، أن الآية
نزلت في بني قريظة ، وهي بعد تعم كل من اتصف بهذه الصفة إلى يوم القيامة ، وقوله :
( في كل مرة ) : يقتضي أن الغدر قد تكرر منهم .
وحديث قريظة هو أنهم عاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم ، على ألا يحاربوه ، ولا يعينوا عليه عدوا
من غيرهم ، فلما اجتمعت الأحزاب على النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة ، غلب على ظن بني قريظة ، أن
النبي صلى الله عليه وسلم مغلوب ومستأصل ، وخدع حيي بن أخطب النضري كعب بن أسد القرظي
صاحب عقد بني قريظة ، وعهدهم ، فغدروا ووالوا قريشا ، وأمدوهم بالسلاح والأدراع ،
فلما انجلت تلك الحال عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أمره الله تعالى بالخروج إليهم وحربهم ، فاستنزلوا ،
وضربت أعناقهم بحكم سعد ، واستيعاب قصتهم في " السير " وإنما اقتضبت منها ما يخص
تفسير الآية .
وقوله سبحانه : ( فإما تثقفنهم في الحرب . . . ) الآية : معنى ( تثقفنهم ) تأسرهم ،
وتحصلهم في ثقافك ، أو تلقاهم بحال تقدر عليهم فيها ، وتغلبهم ، ومعنى : ( فشرد ) أي :
جواهر الحسان في تفسير القرآن ( تفسير الثعالبي ) — صفحة 145
مساهمون: الثعالبي
ص١٤٥