قال بعض أهل التأويل ، عكرمة ، ومجاهد : كان هذا الحكم من الله سبحانه لرفع
الشغب ثم نسخ بقوله : ( واعلموا أنما غنمتم من شئ . . . ) [ الأنفال : 41 ] الآية : وهذا
أولى الأقوال وأصحها .
وقوله سبحانه : ( وأصلحوا ذات بينكم ) : تصريح بأنه شجر بينهم اختلاف ، ومالت
النفوس إلى التشاح ، و ( ذات ) في هذا الموضع يراد بها نفس الشئ وحقيقته ، والذي يفهم
( من بينكم ) هو معنى يعم جميع الوصل ، والالتحامات ، والمودات ، وذات ذلك هو
المأمور بإصلاحها ، أي : نفسه وعينه ، وباقي الآية بين .
وقوله سبحانه : ( إنما المؤمنون الذي إذا ذكر الله وجلت قلوبهم . . . ) الآية ،
( إنما ) لفظ لا تفارقه المبالغة والتأكيد ، حيث وقع ، ويصلح مع ذلك للحصر ، بحسب
القرينة ، فقوله هنا : ( إنما المؤمنون ) ظاهرها أنها للمبالغة والتأكيد فقط ، أي الكاملون .
قال الشيخ أبو عبد الله محمد بن محمد بن أحمد الأنصاري الساحلي المالقي في
كتابه الذي ألفه في " السلوك " : واعلم أن الإنسان مطلوب بطهارة نفسه ، وتزكيتها ، وطرق
التزكية وإن كثرت ، فطريق الذكر أسرع نفعا ، وأقرب مراما ، وعليه درج أكثر مشائخ التربية ،
ثم قال : والذكر ضد النسيان ، والمطلوب منه عمارة الباطن بالله تعالى في كل زمان ، ومع
كل حال ، لأن الذكر بدل على المذكور لا محالة ، فذكره ديدنا يوجب المحبة له ، والمعرفة
به ، والذكر وإن اختلفت ألفاظه ومعانيه ، فلكل معنى [ من ] معانيه اختصاص بنوع من التحلية
والتخلية ، والتزكية ، ثم قال : والذكر على / قسمين : ذكر العامة ، وذكر الخاصة . أما ذكر
العامة ، وهو ذكر الأجور ، فهو أن يذكر العبد مولاه بما شاء من ذكره لا يقصد غير الأجور
والثواب ، وأما ذكر الخاصة ، فهو ذكر الحضور ، وهو أن يذكر العبد مولاه بأذكار معلومة ،
على صفة مخصوصة ، لينال بذلك المعرفة بالله سبحانه بطهارة نفسه من كل خلق ذميم ،
وتحليتها بكل خلق كريم . انتهى .
و ( وجلت ) : معناه : فزعت ، ورقت ، وخافت ، وبهذه المعاني فسرتها العلماء .
و ( تليت ) معناه : سردت ، وقرئت ، والآيات هنا : القرآن المتلو .
ومن كلام صاحب " الكلم الفارقية " : إن تيقظت يقظة قلبية ، وانتبهت انتباهة حقيقية لم
تر في وقتك سعة لغير ذكر ربك ، واستشعار عظمته ، ومهابته ، والإقبال على طاعته ، ما في
جواهر الحسان في تفسير القرآن ( تفسير الثعالبي ) — صفحة 113
مساهمون: الثعالبي
ص١١٣