إلى خوف الفوت ، صاروا إلى الخوف الذي يكون في أعلى حال ، فكان الخوف الأول
يطرقهم خطرات ، وصار خوف الفوت وطنات ، قلت : فما الحالة التي تكشف عن قلوبهم
شديد الخوف والحزن ؟ قال : الرجاء بحسن الظن ، لمعرفتهم بسعة فضل الله عز وجل ،
وأملهم منه أن يظفروا بمرادهم ، إذا وردوا عليه ، ولولا حسن ظنهم بربهم ، لتقطعت
أنفسهم حسرات ، وماتوا كمدا ، قلت : أي شئ أكثر شغلهم ، وما الغالب على قلوبهم في
جميع أحوالهم ؟ قال : كثرة الذكر لمحبوبهم على طريق الدوام والاستقامة ، لا يملون ، ولا
يفترون ، وقد أجمع الحكماء أن من أحب شيئا ، أكثر من ذكره ، ثم قال : قال ذو النون : ما
أولع أحد بذكر الله إلا أفاد منه حب الله تعالى . انتهى .
وفي الآية إنحاء على المنافقين ، وعلى من ارتد في مدة النبي صلى الله عليه وسلم .
قال الفخر : وهذه الآية إخبار بغيب ، وقد وقع الخبر على وفقه ، فيكون معجزا ،
وقد ارتدت العرب وغيرهم أيام أبي بكر ، فنصر الله الدين ، وأتى بخير منهم . انتهى .
وقوله سبحانه : ( أذلة على المؤمنين ) ، معناه : متذللين من قبل أنفسهم ، غير
متكبرين ، وهذا كقوله عز وجل : ( أشداء على الكفار رحماء بينهم ) [ الفتح : 29 ] ، وكقوله
- عليه السلام - : " المؤمن هين لين " ، وفي قراءة ابن مسعود : " أذلة على المؤمنين غلظاء
على الكافرين " .
وقوله تعالى : ( ولا يخافون لومة لائم ) : إشارة إلى الرد على المنافقين في أنهم
يعتذرون بممالاة الأحلاف والمعارف من الكفار ، ويراعون أمرهم ، قلت : وخرج أبو
بكر بن الخطيب بسنده على أبي ذر ، قال : " أوصاني النبي صلى الله عليه وسلم بسبع : أوصاني أن أنظر إلى
من هو دوني ولا أنظر إلى من هو فوقي - يعني : في شأن الدنيا - ، وأوصاني بحب
المساكين والدنو منهم ، وأوصاني أن أقول الحق وإن كان مرا ، وأوصاني أن أصل رحمي
وإن أدبرت ، وأوصاني ألا أخاف في الله لومة لائم ، وأوصاني ألا أسأل الناس شيئا ،
وأوصاني أن استكثر من : لا حول ولا قوة إلا بالله " . انتهى .
وقوله سبحانه : ( ذلك فضل الله ) : الإشارة ب " ذلك " إلى كون القوم يحبون الله
جواهر الحسان في تفسير القرآن ( تفسير الثعالبي ) — صفحة 395
مساهمون: الثعالبي
ص٣٩٥