قال قوم : هذه الآية في الزكاة المفروضة ، وعلى هذا نسخ منها الوالدان ، وقال
السدي : نزلت قبل فرض الزكاة ، ثم نسختها آية الزكاة المفروضة ، وقال ابن جريج
وغيره : هي ندب ، والزكاة غير هذا الإنفاق ، وعلى هذا لا نسخ فيها .
و ( ما تفعلوا ) جزم بالشرط ، والجواب في الفاء ، وظاهر الآية الخبر ، وهي تتضمن
الوعد بالمجازات ، و ( كتب ) : معناه فرض واستمر الإجماع على أن الجهاد على أمة
محمد صلى الله عليه وسلم فرض كفاية .
وقوله تعالى : ( وعسى أن تكرهوا شيئا . . . ) الآية : قال قوم : عسى من الله واجبة ،
والمعنى : عسى أن تكرهوا ما في الجهاد من المشقة ، وهو خير لكم في أنكم تغلبون
هامش
( 1 ) ذكره ابن عطية في " المحرر الوجيز " ( 1 / 288 ) .
( 2 ) أخرجه الطبري ( 2 / 356 ) برقم ( 4071 ) ، وذكره البغوي ( 1 / 188 ) . وابن عطية في " المحرر الوجيز "
( 1 / 288 ) ، والسيوطي في " الدر المنثور " ( 1 / 437 ) ، وعزاه لابن جرير ، وابن أبي حاتم ، عن السدي .
( 3 ) أخرجه الطبري ( 2 / 356 ) برقم ( 4072 ) ، وابن عطية في " المحرر الوجيز " ( 1 / 289 ) ، والسيوطي في
" الدر المنثور " ( 1 / 437 ) ، وعزاه لابن جرير ، وابن المنذر ، عن ابن جريج .
( 4 ) أجمع العلماء على أن الجهاد يكون فرض عين في ثلاثة أحوال :
الأول : أن يستنفر الإمام شخصا أو جماعة للقتال ، ففي هذه الحالة يتعين الخروج على من طلب للجهاد .
والدليل على ذلك قوله ( تعالى ) : ( يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى
الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل ) [ التوبة : 38 ] .
وجه الدلالة : أن الله ( تعالى ) أنكر تثاقلهم عن الجهاد ، ولو لم يكن متعينا لما أنكره عليهم . وما رواه
الجماعة إلا ابن ماجة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : " لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية ، وإذا
استنفرتم فانفروا " .
وجه الدلالة من الحديث : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول : من طلب للجهاد وجب عليه أن ينفر ، وهو معنى
الوجوب العيني .
الثاني : أن يدخل العدو بلاد المسلمين ، أو يتغلب على قطر من أقطارهم ، فيتعين القتال حينئذ ، والدليل
عليه الإجماع ، لأنه من قبيل إغاثة الملهوف المجمع عليها .
الثالث : عند التقاء الصفين يجب على من حضر القتال ، ويحرم الانصراف إلا إذا كان متحرفا لقتال أو
متحيزا إلى فئة . والدليل عليه قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم
الأدبار * ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم
وبئس المصير ) [ الأنفال : 15 - 16 ] فقد نهى الله المؤمنين عن التولي يوم الزحف ، وتوعدهم عليه ،
والنهي والتوعد يدلان على أن الثبات واجب ، واستفيدت العينية من أداة العموم في قوله عز وجل :
( ومن يولهم ) . . . ثم اختلفوا في غير هذه الأحوال :
فذهب جمهور العلماء إلى أنه فرض كفاية ، إذا قام به من فيه الكفاية سقط الطلب عن الباقين .
وقيل : إنه فرض عين ، وحكاه الماوردي عن سعيد بن المسيب . وقيل : إنه مندوب .