ولو استقصينا الجدول الزمني والمسيرة التاريخية للفقه الشيعي ،
لوجدنا أن المدارس التي قامت ونشأت في هذه الفترة وتلك ، في هذا البلد
وذاك ، كانت ولا زالت هي المحاور الرئيسية في إكسابه ما وصل إليه من
منزلة سامية ومكانة شامخة ، فاق بها طرا سائر الفرق والمذاهب ، من حيث
سعة المحتوى وعمق المطالب ومتانة الاستدلال ورفعة الطرح وتنوع
الأساليب ، المنصبة جميعا في قناة إثبات المدعى ونقض المخالف .
ومدرسة قم - التي ازدهرت في الربع الأول من القرن الرابع حتى
منتصف القرن الخامس - وبعد انتقال حركة التدريس والتأليف إليها من
المدينة والكوفة ، استطاعت أن تظهر فاعلية كبيرة ودورا مؤثرا في تطوير
الفقه الإمامي وإرساء قواعده المتينة وأطره الرصينة .
ولعل من أهم العوامل التي ساهمت في منح هذه المدرسة مكانتها
المذكورة : هو ولاء قم - ومشهورية انتمائها - لمذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ،
حيث كانت ولا زالت تعد حصنا من حصون الشيعة المنيعة وثغرا من
ثغورها الشامخة ، والروايات الواردة عن الأئمة الأطهار ( عليهم السلام ) في عظم
منزلتها وشرفها كثيرة ومعروفة .
كما كانت تعد آنذاك الركن الآمن الذي اطمئن إليه فقهاء آل البيت ( عليهم السلام )
بعد ما لاقوه من شتى صنوف القسوة والإرهاب من بني العباس وسوء
معاملتهم لهم .
مضافا إلى ذلك ، فقد كانت قم مركزا فقهيا كبيرا ، لا سيما في عهد
النواب الأربعة ، إذ حفلت بالكثير من أعاظم الفقهاء وأجلتهم ، أمثال : الكليني
والصدوق ووالده وابن قولويه وابن الجنيد وعلي بن إبراهيم وغيرهم .
وقد ساعد وجود الدولة البويهية حينذاك على نمو المدرسة الفقهية
مجلة تراثنا — صفحة 166
مساهمون: مؤسسة آل البيت (ع) لإحياء التراث
ص١٦٦