- أمن تذكر جيران بذي سلم * مزجت دمعا جرى من مقلة بدم -
أليس المرض متقاربا ؟ ورؤية النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحلم
متشابهة ؟ والفرق الوحيد هو أن البوصيري لم تكن عنده الرغبة في التأليف
البديعي كتلك التي كانت عند الصفي الحلي .
ومما تدخره ذاكرتنا أنه منذ بعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم عرف
المديح له وأفرد من بين المديح بتسميته خاصة به : ( المديح النبوي ) ، واستمر
ركبه منطلقا بعد أن قضى عليه السلام ، وإلى يوم الناس هذا ، وما أكثر هذه
المدائح !
ولسنا بصدد تأريخ تلك المدائح ، فمن المعروف أن دالية الأعشى - إن
صحت نسبتها إليه - والتي مطلعها :
ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا * وعادك ما عاد السليم المسهدا
كانت أول قصيدة مدح بها عليه السلام ، وإن لم تتضمن شروط المديح
النبوي كلها ، ثم توالت المدائح النبوية ، فكان لأبي طالب عبد مناف بن
عبد المطلب غير قصيدة في ذلك نسبت إليه ، ثم كانت مدائح حسان بن ثابت ،
وبردة كعب بن زهير :
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول * متيم عندها لم يجز مكبول
وغير ذلك من هذه القصائد التي استمرت تحبو إلى أن قيض لها أن
تصبح خلقا سويا يسر الناظرين ، ويتمايل لسماعه السامعون ، ويتداعى
الشعراء إلى التقليد والمحاكاة والمعارضة بعده ، على يد البوصيري في بردته
ذات مطلع :
أمن تذكر جيران بذي سلم * مزجت دمعا جرى من مقلة بدم
ولما كان للبردة ذلك الأثر الذي لا يخفى عن كل ذي لب في
( البديعيات ) ، أنست في نفسي هوى للتعريج قليلا عليها وعلى قائلها ، وإن كثر
هذا الحديث في غير ما موضع .
مجلة تراثنا — صفحة 217
مساهمون: مؤسسة آل البيت (ع) لإحياء التراث
ص٢١٧