موضع سرها ، وأظهر جهلها فيما ارتكبت وظنت ، ليكون ذلك من دلائل نبوته ، لا أن
ذلك ضره وخلط عليه أمره ، ولم يقل كل الرواة أنه اختلط عليه أمره ، وإنما هذا
اللفظ زيد في الحديث ولا أصل له . انتهى .
وحكى الفخر الرازي في ( مفاتح الغيب ) ( 115 ) عن القاضي قال :
هذه الرواية باطلة ، وكيف يمكن القول بصحتها والله تعالى يقول : ( والله يعصمك
من الناس ) وقال : ( ولا يفلح الساحر حيث أتى ) ؟ ! ولأن تجويزه يفضي إلى
القدح في النبوة ، ولأنه لو صح ذلك لكان من الواجب أن يصلوا إلى الضرر
لجميع الأنبياء والصالحين ، ولقدروا على تحصيل الملك العظيم لأنفسهم ،
وكل ذلك باطل ، ولأن الكفار كانوا يعيرونه بأنه مسحور ، فلو وقعت هذه الواقعة
لكان الكفار صادقين في تلك الدعوة ولحصل فيه عليه السلام ذلك العيب ،
ومعلوم أن ذلك غير جائز . انتهى .
وقال الشيخ الإمام محمد عبده بتفسير سورة الفلق من كتابه ( تفسير جزء
عم ) ( 116 ) : قد رووا هاهنا أحاديث في أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سحره
لبيد بن الأعصم وأثر سحره فيه حتى كان يخيل له أنه يفعل الشئ وهو لا يفعله ،
أو يأتي شيئا وهو لا يأتيه ، وأن الله أنبأه بذلك وأخرجت مواد السحر من بئر
وعوفي صلى الله عليه وآله وسلم مما كان نزل به من ذلك ونزلت هذه السورة .
ولا يخفى أن تأثير السحر في نفسه عليه السلام حتى يصل به الأمر إلى
أن يظن أنه يفعل شيئا وهو لا يفعله ، ليس من قبيل تأثير الأمراض في الأبدان ،
ولا من قبيل عروض السهو والنسيان في بعض الأمور العادية ( 117 ) بل هو ماس
بالعقل آخذ بالروح ، وهو مما يصدق قول المشركين فيه : ( إن تتبعون إلا رجلا
هامش
( 115 ) مفاتح الغيب 32 / 187 - 188 .
( 116 ) تفسير جزء عم : 180 .
( 117 ) حاشاه صلى الله عليه وآله وسلم من ذلك ، فإنه منزه عنه على مذهب أهل الحق ، أعلى الله
كلمتهم وأنار برهانهم .