قويت الرسل وصاروا من أولي العزم لأنهم لاحظوا نور النواصي ، وأيقنوا أن جميع خلقه
منقادون بتلك الأنوار إلى ما نفذ بصره فيهم من الأعمال ، فأوفرهم حظا من الملاحظة أقواهم
في العزم ، ولذلك ما قوي هود النبي صلى الله عليه وسلم حتى قال : " فكيدوني جميعا ثم
لا تنظرون . إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها " . وإنما
سميت ناصية لأن الأعمال قد نصت وبرزت من غيب الغيب فصارت منصوصة في المقادير ،
قد نفذ بصر الخالق في جميع حركات الخلق بقدرة ، ثم وضعت حركات كل من دب على
الأرض حيا في جبهته بين عينيه ، فسمي ذلك الموضع منه ناصية ، لأنها تنص حركات العباد
بما قدر ، فالناصية مأخوذة بمنصوص الحركات التي نظر الله تعالى إليها قبل أن يخلقها .
ووصف ناصية أبي جهل فقال : " ناصية كاذبة خاطئة " ( 1 ) [ العلق : 16 ] يخبر أن النواصي فيها كاذبة
خاطئة ، فعلى سبيل ما تأولوه يستحيل أن تكون الناصية منسوبة إلى الكذب والخطأ .
[ والله أعلم ] ( 2 ) . ( إن ربى على صراط مستقيم ) قال النحاس : الصراط في اللغة المنهاج
الواضح ، والمعنى أن الله جل ثناؤه وإن كان يقدر على كل شئ فإنه لا يأخذهم إلا بالحق .
وقيل : معناه لا خلل في تدبيره ، ولا تفاوت في خلقه سبحانه .
( قوله تعالى : ( فإن تولوا ) في موضع جزم ، فلذلك حذفت منه النون ، والأصل تتولوا ،
فحذفت التاء لاجتماع تاءين . ( فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم ) بمعنى قد بينت لكم .
( ويستخلف ربى قوما غيركم ) أي يهلككم ويخلق من هو أطوع له منكم يوحدونه
ويعبدونه . " ويستخلف " مقطوع مما قبله فلذلك ارتفع ، أو معطوف على ما يجب فيما
بعد الفاء من قوله : " فقد أبلغتكم " . وروي عن حفص عن عاصم " ويستخلف " بالجزم
حملا على موضع الفاء وما بعدها ، مثل : " ويذرهم ( 3 ) في طغيانهم يعمهون " [ الأعراف : 186 ] .
قوله تعالى : ( ولا تضرونه شيئا ) أي بتوليكم وإعراضكم . ( إن ربى على كل شئ
حفيظ ) أي لكل شئ حافظ . " على " بمعنى اللام ، فهو يحفظني من أن تنالوني بسوء .
هامش
( 1 ) راجع ج 20 ص 124 .
( 2 ) من ع .
( 3 ) بالباء وسكون الراء قراءة . راجع ج 7 ص 334 .