فيخنقونه حتى يترك وقيذا ، ويضربونه في المجالس ويطرد ، وكان لا يدعو على من يصنع به
بل يدعوهم ويقول : " رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون " فكان لا يزيدهم ذلك إلا فرارا
منه ، حتى أنه ليكلم الرجل منهم فيلف رأسه بثوبه ، ويجعل أصبعيه في أذنيه لكيلا يسمع
شيئا من كلامه ، فذلك قوله تعالى : " وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في أذانهم
واستغشوا ثيابهم " ( 1 ) [ نوح : 7 ] . وقال مجاهد وعبيد بن عمير : كانوا يضربونه حتى يغشى عليه فإذا أفاق
قال : " رب اغفر لقومي فأنهم لا يعلمون " . وقال ابن عباس : إن نوحا كان يضرب ثم
يلف في لبد فيلقى في بيته يرون أنه قد مات ، ثم يخرج فيدعوهم ، حتى إذا يئس من إيمان
قومه جاءه رجل معه ابنه وهو يتوكأ على عصا ، فقال : يا بني أنظر هذا الشيخ لا يغرنك ،
قال : يا أبت أمكني من العصا ، [ فأمكنه ] ( 2 ) فأخذ العصا ثم قال : ضعني في الأرض فوضعه ،
فمشى إليه بالعصا فضربه فشجه شجة موضحة في رأسه ، وسالت الدماء ، فقال نوح : " رب
قد ترى ما يفعل بي عبادك فإن يك لك في عبادك خيرية فاهدهم وإن يك غير ذلك فصبرني
إلى أن تحكم وأنت خير الحاكمين " فأوحى الله إليه وآيسه من إيمان قومه ، وأخبره أنه لم يبق
في أصلاب الرجال ولا في أرحام النساء مؤمن ،
قال : " وأوحى إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك
إلا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون " ، أي لا تحزن عليهم . " واصنع الفلك بأعيننا
ووحينا " قال : يا رب وأين الخشب ؟ قال : اغرس الشجر . قال : فغرس الساج
عشرين سنه ، وكف عن الدعاء ، وكفوا عن الاستهزاء . وكانوا يسخرون منه ، فلما أدرك
الشجر أمره ربه فقطعها وجففها : فقال : يا رب كيف أتخذ هذا البيت ؟ قال : اجعله
على ثلاثة صور ، رأسه كرأس الديك ، وجؤجؤه كجؤجؤ الطير ، وذنبه كذنب الديك ، واجعلها
مطبقة واجعل لها أبوابا في جنبها ، وشدها بدسر ، يعني مسامير الحديد . وبعث الله جبريل
فعلمه صنعة السفينة ، وجعلت يده لا تخطئ . قال ابن عباس : كانت دار نوح عليه السلام
دمشق ، وأنشأ سفينته من خشب لبنان بين زمزم وبين الركن والمقام ، فلما كملت حمل فيها
السباع والدواب في الباب الأول ، وجعل الوحش والطير في الباب الثاني ، وأطبق عليهما
هامش
( 1 ) راجع ج 18 ص 300 ( 2 ) من ع .