ظن أنه مؤمن ، ولذلك قال له : ( ولا تكن مع الكافرين ) وسيأتي . وكان هذا النداء من
قبل أن يستيقن القوم الغرق ، وقبل رؤية اليأس ، بل كان في أول ما فار التنور ، وظهرت
العلامة لنوح . وقرأ عاصم : " يا بنى اركب معنا " بفتح الياء ، والباقون بكسرها . وأصل
" يا بني " أن تكون بثلاث ياءات ، ياء التصغير ، وياء الفعل ، وياء الإضافة ، فأدغمت ياء
التصغير في لام الفعل ، وكسرت لام الفعل من أجل ياء الإضافة ، وحذفت ياء الإضافة لوقوعها
موقع التنوين ، أو لسكونها وسكون الراء في هذا الموضع ، هذا أصل قراءة من كسر الياء ،
وهو أيضا أصل قراءة من فتح ، لأنه قلب ياء الإضافة ألفا لخفة الألف ، ثم حذف الألف
لكونها عوضا من حرف يحذف ، أو لسكونها وسكون الراء . قال النحاس : أما قراءة عاصم
فمشكلة ، قال أبو حاتم : يريد يا بنياه ثم يحذف ، قال النحاس : رأيت علي بن سليمان يذهب
إلى أن هذا لا يجوز ، لأن الألف خفيفة . قال أبو جعفر النحاس : ما علمت أن أحدا من
النحويين جوز الكلام في هذا إلا أبا إسحاق ، فإنه زعم أن الفتح من جهتين ، والكسر من جهتين ،
فالفتح على أنه يبدل من الياء ألفا ، قال الله عز وجل إخبارا : " يا ويلتا " ( 1 ) [ هود : 72 ] وكما قال الشاعر :
فيا عجبا من رحلها المتحمل
فيريد يا بنيا ، ثم تحذف الألف ، لالتقاء الساكنين ، كما تقول : جاءني عبدا الله في التثنية . والجهة
الأخرى أن تحذف الألف ، لأن النداء موضع حذف . والكسر على أن تحذف الياء للنداء .
والجهة الأخرى على أن تحذفها لالتقاء الساكنين .
قوله تعالى : ( قال سآوي ) أي ارجع وانضم . ( إلى جبل يعصمني ) أي يمنعني
( من الماء ) فلا أغرق . ( قال لا عاصم اليوم من أمر الله ) أي لا مانع ، فإنه يوم حق
فيه العذاب على الكفار . وانتصب " عاصم " على التبرئة ويجوز " لا عاصم اليوم " تكون
لا بمعني ليس . ( إلا من رحم ) في موضع نصب استثناء ليس من الأول ، أي لكن من
رحمه الله فهو يعصمه ، قال الزجاج . ويجوز أن يكون في موضع رفع ، على أن عاصما بمعنى
معصوم ، مثل : " ماء دافق " ( 2 ) [ الطارق : 6 ] أي مدفوق ، فالاستثناء . على هذا متصل ، قال الشاعر :
هامش
( 1 ) راجع ص 69 من هذا الجزء .
( 2 ) راجع ج 20 ص 4 .