ونحوه ، لأن العصمة مع النبوة . وما روي من أنه قيل له : " تكون في ديوان الأنبياء وتفعل
فعل السفهاء " . فإنما معناه العدة بالنبوة فيما بعد .
قلت : ما ذكره من [ هذا ] ( 1 ) التفصيل صحيح ، لكن قول تعالى : " وأوحينا إليه " [ يوسف : 15 ] يدل
على أنه كان نبيا على ما ذكرناه ، وهو قول جماعة من العلماء ، وإذا كان نبيا فلم يبق إلا أن يكون
الهم الذي هم به ما يخطر في النفس ولا يثبت في الصدر ، وهو الذي رفع الله فيه المؤاخذة عن
الخلق ، إذ لا قدرة للمكلف على دفعه ، ويكون قوله : " وما أبرئ نفسي " [ يوسف : 53 ] - إن كان من قول
يوسف - أي من هذا الهم ، أو يكون ذلك منه على طريق التواضع والاعتراف ، لمخالفة النفس
لما زكي به قبل وبرئ ، وقد أخبر الله تعالى عن حال يوسف من حين بلوغه فقال : " ولما
بلغ أشده آتيناه حكما وعلما " [ يوسف : 22 ] على ما تقدم بيانه ، وخبر الله تعالى صدق ، ووصفه صحيح ، وكلامه
حق ، فقد عمل يوسف بما علمه الله من تحريم الزنى ومقدماته ، وخيانة السيد والجار والأجنبي
في أهله ، فما تعرض لامرأة العزيز ، ولا أجاب إلى المراودة ، بل أدبر عنها وفر منها ، حكمة
خص بها ، وعملا بمقتضى ما علمه الله . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " قالت الملائكة رب ذاك عبدك يريد أن يعمل سيئة
وهو أبصر به فقال ارقبوه فإن عملها فاكتبوها له بمثلها وإن تركها فاكتبوها له حسنة إنما
تركها من جراي " ( 2 ) . وقال عليه السلام مخبرا عن ربه : " إذا هم عبدي بسيئة فلم يعملها كتبت
حسنة " . فإن كان ما يهم به العبد من السيئة يكتب له بتركها حسنة فلا ذنب ، وفي الصحيح :
" إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تكلم به " وقد تقدم . قال ابن العربي :
كان بمدينة السلام إمام من أئمة الصوفية ، - وأي إمام - يعرف بابن عطاء ! تكلم يوما
على يوسف وأخباره حتى ذكر تبرئته مما نسب إليه من مكروه ، فقام رجل من آخر مجلسه وهو
مشحون بالخليقة من كل طائفة فقال : يا شيخ ! يا سيدنا ! فإذا يوسف هم وما تم ؟ قال :
نعم ! لأن العناية من ثم . فانظر إلى حلاوة العالم والمتعلم ، وانظر إلى فطنة العامي في سؤاله ،
هامش
( 1 ) من ع .
( 2 ) من جراى : أي من أجلى ، وفى نسخة من صحيح مسلم " من جرائي " .