قلت : وهذا كان سبب ثناء الله تعالى على ذي الكفل حسب ، ما يأتي بيانه في " ص " ( 1 )
إن شاء الله تعالى . وجواب " لولا " على هذا محذوف ، اي لولا أن برهان ربه لأمضى
ما هم به ، ومثله " كلا لو تعلمون علم اليقين " ( 2 ) [ التكاثر : 5 ] وجوابه لم تتنافسوا ، قال ابن عطية : روي
هذا القول عن ابن عباس وجماعة من السلف ، وقالوا : الحكمة في ذلك أن يكون مثلا
للمذنبين ليروا أن توبتهم ترجع إلى عفو الله تعالى كما رجعت ممن هو خير منهم ، ولم يوبقه
القرب من الذنب ، وهذا كله على أن هم يوسف بلغ فيما روت هذه الفرقة إلى أن جلس بين
رجلي زليخاء وأخذ في حل ثيابه وتكته ونحو ذلك ، وهي قد استلقت له ، حكاه الطبري . وقال
أبو عبيد القاسم بن سلام : وابن عباس ومن دونه لا يختلفون في أنه هم بها ، وهم أعلم بالله
وبتأويل كتابه ، وأشد تعظيما للأنبياء من أن يتكلموا فيهم بغير علم . وقال الحسن : إن الله
عز وجل لم يذكر معاصي الأنبياء ليعيرهم بها ، ولكنه ذكرها لكيلا تيأسوا من التوبة . قال الغزنوي :
مع أن لزلة الأنبياء حكما : زيادة الوجل ، وشدة الحياء بالخجل ، والتخلي عن عجب العمل ،
والتلذذ بنعمة العفو بعد الأمل ، وكونهم أئمة رجاء أهل الزلل . قال القشيري أبو نصر :
وقال قوم جرى من يوسف هم ، وكان ذلك [ الهم ] ( 3 ) حركة طبع من غير تصميم للعقد على الفعل ،
وما كان من هذا القبيل لا يؤخذ به العبد ، وقد يخطر بقلب المرء وهو صائم شرب الماء
البارد ، وتناول الطعام اللذيذ ، فإذا لم يأكل ولم يشرب ، ولم يصمم عزمه على الأكل والشرب
لا يؤاخذ بما هجس في النفس ، والبرهان صرفه عن هذا الهم حتى لم يصر عزما مصمما .
قلت : هذا قول حسن ، وممن قال به الحسن . قال ابن عطية : الذي أقول به في هذه
الآية إن كون يوسف نبيا في وقت هذه النازلة لم يصح ، ولا تظاهرت به رواية ، وإذا كان
كذلك فهو مؤمن قد أوتي حكما وعلما ، ويجوز عليه الهم الذي هو إرادة الشئ دون مواقعته
وأن يستصحب الخاطر الردئ على ما في ذلك من الخطيئة ، وإن فرضناه نبيا في ذلك الوقت
فلا يجوز عليه عندي إلا الهم الذي هو خاطر ، ولا يصح عليه شئ مما ذكر من حل تكته
هامش
( 1 ) راجع ج 15 ص 218 وج 11 ص 327 ( 2 ) راجع ج 20 ص 173 ( 3 ) من ع وك وو .