فقال : " للفقراء المهاجرين " ( 1 ) [ الحشر : 8 ] الآية ، ثم سماكم بالمفلحين فقال : " والذين تبوءوا الدار والايمان " [ الحشر : 9 ]
الآية . وقيل : هم الذين استوت ظواهرهم وبواطنهم . قال ابن العربي : وهذا القول هو
الحقيقة والغاية التي إليها المنتهى فإن هذه الصفة يرتفع بها النفاق في العقيدة والمخالفة
في الفعل ، وصاحبها يقال له الصديق كأبي بكر وعمر وعثمان ومن دونهم على منازلهم وأزمانهم .
وأما من قال : إنهم المراد بآية البقرة فهو معظم الصدق ويتبعه الأقل وهو معنى آية الأحزاب .
وأما تفسير أبي بكر الصديق فهو الذي يعم الأقوال كلها فإن جميع الصفات فيهم موجودة .
الثانية - حق من فهم عن الله وعقل عنه أن يلازم الصدق في الأقوال ، والاخلاص
في الأعمال ، والصفاء ( 2 ) في الأحوال ، فمن كان كذلك لحق بالأبرار ووصل إلى رضا الغفار ،
قال صلى الله عليه وسلم : ( عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة
وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا ) . والكذب على الضد
من ذلك ، قال صلى الله عليه وسلم : إياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن
الفجور يهدي إلى النار وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا ) .
خرجه مسلم . فالكذب عار وأهله مسلوبو الشهادة ، وقد رد صلى الله عليه وسلم شهادة رجل
في كذبة كذبها . قال معمر : لا أدري أكذب على الله أو كذب على رسوله أو كذب على أحد
من الناس . وسئل شريك بن عبد الله فقيل له : يا أبا عبد الله ، رجل سمعته ( 3 ) يكذب متعمدا
أأصلي خلفه ؟ قال لا . وعن ابن مسعود قال : إن الكذب لا يصلح منه جد ولا هزل ،
ولا أن يعد أحدكم شيئا ثم لا ينجزه ، اقرؤوا إن شئتم " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع
الصادقين " هل ترون في الكذب رخصة ؟ وقال مالك : لا يقبل خبر الكاذب في حديث
الناس وإن صدق في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقال غيره : يقبل حديثه .
والصحيح أن الكاذب لا تقبل شهادته ولا خبره لما ذكرناه ، فإن القبول مرتبة عظيمة
وولاية شريفة لا تكون إلا لمن كملت خصاله ولا خصلة هي أشر من الكذب فهي تعزل
الولايات وتبطل الشهادات .
هامش
( 1 ) راجع ج 18 ص 19 .
( 2 ) من ع . وهو الصواب . وفي ب وك وه : الصفات .
وهو خطأ .
( 3 ) في ع : سمعناه .