تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 141

مساهمون:

ص١٤١
وقرأ الأعمش " تثاقلتم " على الأصل . حكاه المهدوي . وكانت تبوك - ودعا الناس إليها ( 1 ) - في حرارة القيظ وطيب الثمار وبرد الظلال - كما جاء في الحديث الصحيح على ما يأتي - فاستولى على الناس الكسل فتقاعدوا وتثاقلوا فوبخهم الله بقوله هذا وعاب عليهم الايثار للدنيا على الآخرة . ومعنى ( أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة ) أي بدلا ، التقدير : أرضيتم بنعيم الدنيا بدلا من نعيم الآخرة ف‍ " - من " تتضمن معنى البدل ، كقوله تعالى : " ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون " ( 2 ) [ الزخرف : 60 ] أي بدلا منكم . وقال الشاعر : ( 3 ) فليت لنا من ماء زمزم شربة * مبردة باتت على طهيان ويروى من ماء حمنان ( 4 ) . أراد : ليت لنا بدلا من ماء زمزم شربة مبردة . والطهيان : عود ينصب في ناحية الدار للهواء ، يعلق عليه الماء حتى يبرد . عاتبهم الله على إيثار الراحة في الدنيا على الراحة في الآخرة ، إذ لا تنال راحة الآخرة إلا بنصب الدنيا . قال صلى الله عليه وسلم لعائشة وقد طافت راكبة : ( أجرك على قدر نصبك ) . خرجه البخاري . قوله تعالى : إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شئ قدير ( 39 ) فيه مسألة واحدة - وهو أن قوله تعالى : " إلا تنفروا " شرط ، فلذلك حذفت منه النون . والجواب " يعذبكم " ، " ويستبدل قوما غيركم " وهذا تهديد شديد ووعيد مؤكد في ترك النفير . قال ابن العربي : ومن محققات الأصول أن الامر إذا ورد فليس في وروده أكثر من اقتضاء الفعل . فأما العقاب عند الترك فلا يؤخذ من نفس الامر ولا يقتضيه
هامش
( 1 ) قوله : ( ودعا الناس إليها ) قال ابن إسحاق : . . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قلما يخرج في غزوة إلا كنى عنها وأخبر أنه يريد غير الوجه الذي يصمد له ، إلا ما كان من غزوة تبوك فإنه بينها للناس لبعد الشقة وشدة الزمان . . الخ . ( 2 ) راجع ج 16 ص 194 . ( 3 ) هو يعلى بن مسلم بن قيس الشكري ، كما في اللسان . وقيل أنه الأحول الكندي . ( 4 ) حمنان : مكة .