وقرأ الأعمش " تثاقلتم " على الأصل . حكاه المهدوي . وكانت تبوك - ودعا الناس إليها ( 1 ) -
في حرارة القيظ وطيب الثمار وبرد الظلال - كما جاء في الحديث الصحيح على ما يأتي -
فاستولى على الناس الكسل فتقاعدوا وتثاقلوا فوبخهم الله بقوله هذا وعاب عليهم الايثار
للدنيا على الآخرة . ومعنى ( أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة ) أي بدلا ، التقدير : أرضيتم
بنعيم الدنيا بدلا من نعيم الآخرة ف " - من " تتضمن معنى البدل ، كقوله تعالى : " ولو نشاء
لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون " ( 2 ) [ الزخرف : 60 ] أي بدلا منكم .
وقال الشاعر : ( 3 )
فليت لنا من ماء زمزم شربة * مبردة باتت على طهيان
ويروى من ماء حمنان ( 4 ) . أراد : ليت لنا بدلا من ماء زمزم شربة مبردة . والطهيان : عود
ينصب في ناحية الدار للهواء ، يعلق عليه الماء حتى يبرد . عاتبهم الله على إيثار الراحة في الدنيا
على الراحة في الآخرة ، إذ لا تنال راحة الآخرة إلا بنصب الدنيا . قال صلى الله عليه وسلم
لعائشة وقد طافت راكبة : ( أجرك على قدر نصبك ) . خرجه البخاري .
قوله تعالى : إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما
غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شئ قدير ( 39 )
فيه مسألة واحدة - وهو أن قوله تعالى : " إلا تنفروا " شرط ، فلذلك حذفت منه
النون . والجواب " يعذبكم " ، " ويستبدل قوما غيركم " وهذا تهديد شديد ووعيد مؤكد
في ترك النفير . قال ابن العربي : ومن محققات الأصول أن الامر إذا ورد فليس في وروده
أكثر من اقتضاء الفعل . فأما العقاب عند الترك فلا يؤخذ من نفس الامر ولا يقتضيه
هامش
( 1 ) قوله : ( ودعا الناس إليها ) قال ابن إسحاق : . . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قلما يخرج
في غزوة إلا كنى عنها وأخبر أنه يريد غير الوجه الذي يصمد له ، إلا ما كان من غزوة تبوك فإنه بينها للناس لبعد الشقة
وشدة الزمان . . الخ .
( 2 ) راجع ج 16 ص 194 .
( 3 ) هو يعلى بن مسلم بن قيس الشكري ،
كما في اللسان . وقيل أنه الأحول الكندي .
( 4 ) حمنان : مكة .