قوله تعالى : ( زيادة في الكفر ) بيان لما فعلته العرب من جمعها من أنواع الكفر
فإنها أنكرت وجود البارئ تعالى فقالت : " وما الرحمن " ( 1 ) في أصح الوجوه . وأنكرت البعث
فقالت : " قال من يحيي العظام وهي رميم " ( 2 ) . وأنكرت بعثة الرسل فقالوا : " أبشرا منا واحدا
نتبعه " ( 3 ) . وزعمت أن التحليل والتحريم إليها ، فابتدعته من ذاتها مقتفية لشهواتها فأحلت
ما حرم الله . ولا مبدل لكلماته ولو كره المشر كون .
قوله تعالى : ( يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله
فيحلوا ما حرم الله زين لهم سوء أعمالهم والله لا يهدي القوم الكافرين ) فيه ثلاث قراءات .
قرأ أهل الحرمين وأبو عمرو " يضل " وقرأ الكوفيون " يضل " على الفعل المجهول . وقرأ
الحسن وأبو رجاء " يضل " والقراءات الثلاث كل واحدة منها تؤدي عن معنى ، إلا أن
القراءة الثالثة حذف منها المفعول . والتقدير : ويضل به الذين كفروا من يقبل منهم .
و " الذين " في محل رفع . ويجوز أن يكون الضمير راجعا إلى الله عز وجل . التقدير :
يضل الله به الذين كفروا ، كقوله تعالى : " يضل من يشاء " ( 4 ) [ الرعد : 27 ] ، وكقوله في آخر الآية :
" والله لا يهدي القوم الكافرين " . والقراءة الثانية " يضل به الذين كفروا " يعني المحسوب
لهم ، واختار هذه القراءة أبو عبيد ، لقوله تعالى : " زين لهم سوء أعمالهم " . والقراءة الأولى
اختارها أبو حاتم ، لأنهم كانوا ضالين به أي بالنسئ لأنهم كانوا يحسبونه فيضلون به .
والهاء في " يحلونه " ترجع إلى النسئ . وروي عن أبي رجاء " يضل " بفتح الياء والضاد .
وهي لغة ، يقال : ضللت أضل ، وضللت أضل . " ليواطئوا " نصب بلام كي أي
ليوافقوا . تواطأ القوم على كذا أي اجتمعوا عليه ، أي لم يحلوا شهرا إلا حرموا شهرا لتبقى
الأشهر الحرم أربعة . وهذا هو الصحيح ، لا ما يذكر أنهم جعلوا الأشهر خمسة . قال
قتادة : إنهم عمدوا إلى صفر فزادوه في الأشهر الحرم ، وقرنوه بالمحرم في التحريم ، وقاله
عنه قطرب والطبري . وعليه يكون النسئ بمعنى الزيادة . والله أعلم .
هامش
( 1 ) راجع ج 13 ص 64 .
( 2 ) راجع ج 15 ص 58 .
( 3 ) راجع ج 17 ص 137 فما بعد .
( 4 ) راجع ج 14 ص 324 فما بعد .