ما كان حرم عليه عند عدمه للغذاء الذي أمره باكتسابه والاغتذاء به ، ولم يأمره بانتظار طعام
ينزل عليه من السماء ، ولو ترك السعي في ترك ما يتغذى به لكان لنفسه قاتلا . وقد كان
رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلوى من الجوع ما يجد ما يأكله ، ولم ينزل عليه طعام من السماء ،
وكان يدخر لأهله قوت سنته حتى فتح الله عليه الفتوح . وقد روى أنس بن مالك أن رجلا
أتى النبي صلى الله عليه وسلم ببعير فقال : يا رسول الله ، أعقله وأتوكل أو أطلقه وأتوكل ؟
قال : ( اعقله وتوكل ) .
قلت : ولا حجة لهم في أهل الصفة ، فإنهم كانوا فقراء يقعدون في المسجد ما يحرثون
ولا يتجرون ، ليس لهم كسب ولا مال ، إنما هم أضياف الاسلام عند ضيق البلدان ، ومع ذلك
فإنهم كانوا يحتطبون بالنهار ويسوقون الماء إلى بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويقرؤون
القرآن بالليل ويصلون . هكذا وصفهم البخاري وغيره . فكانوا يتسببون . وكان صلى الله
عليه وسلم إذا جاءته هدية أكلها معهم ، وإن كانت صدقة خصهم بها ، فلما كثر الفتح
وانتشر الاسلام خرجوا وتأمروا - كأبي هريرة وغيره - وما قعدوا . ثم قيل : الأسباب
التي يطلب بها الرزق ستة أنواع :
أعلاها كسب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، قال : ( جعل رزقي تحت ظل رمحي وجعل
الذلة والصغار على من خالف أمري ) . خرجه الترمذي وصححه . فجعل الله رزق نبيه صلى الله
عليه وسلم في كسبه لفضله ، وخصه بأفضل أنواع الكسب ، وهو أخذ الغلبة والقهر لشرفه .
الثاني - أكل الرجل من عمل يده ، قال صلى الله عليه وسلم : ( إن أطيب ما أكل
الرجل من عمل يده وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده ) خرجه البخاري . وفي التنزيل
" وعلمناه صنعة لبوس لكم " ( 1 ) [ الأنبياء : 80 ] ، وروي أن عيسى عليه السلام كان يأكل من غزل أمه .
الثالث - التجارة ، وهي كانت عمل جل الصحابة رضوان الله عليهم ، وخاصة
المهاجرين ، وقد دل عليها التنزيل في غير موضع .
هامش
( 1 ) راجع ج 11 ص 320 .