تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 108

مساهمون:

ص١٠٨
ما كان حرم عليه عند عدمه للغذاء الذي أمره باكتسابه والاغتذاء به ، ولم يأمره بانتظار طعام ينزل عليه من السماء ، ولو ترك السعي في ترك ما يتغذى به لكان لنفسه قاتلا . وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلوى من الجوع ما يجد ما يأكله ، ولم ينزل عليه طعام من السماء ، وكان يدخر لأهله قوت سنته حتى فتح الله عليه الفتوح . وقد روى أنس بن مالك أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم ببعير فقال : يا رسول الله ، أعقله وأتوكل أو أطلقه وأتوكل ؟ قال : ( اعقله وتوكل ) . قلت : ولا حجة لهم في أهل الصفة ، فإنهم كانوا فقراء يقعدون في المسجد ما يحرثون ولا يتجرون ، ليس لهم كسب ولا مال ، إنما هم أضياف الاسلام عند ضيق البلدان ، ومع ذلك فإنهم كانوا يحتطبون بالنهار ويسوقون الماء إلى بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويقرؤون القرآن بالليل ويصلون . هكذا وصفهم البخاري وغيره . فكانوا يتسببون . وكان صلى الله عليه وسلم إذا جاءته هدية أكلها معهم ، وإن كانت صدقة خصهم بها ، فلما كثر الفتح وانتشر الاسلام خرجوا وتأمروا - كأبي هريرة وغيره - وما قعدوا . ثم قيل : الأسباب التي يطلب بها الرزق ستة أنواع : أعلاها كسب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، قال : ( جعل رزقي تحت ظل رمحي وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري ) . خرجه الترمذي وصححه . فجعل الله رزق نبيه صلى الله عليه وسلم في كسبه لفضله ، وخصه بأفضل أنواع الكسب ، وهو أخذ الغلبة والقهر لشرفه . الثاني - أكل الرجل من عمل يده ، قال صلى الله عليه وسلم : ( إن أطيب ما أكل الرجل من عمل يده وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده ) خرجه البخاري . وفي التنزيل " وعلمناه صنعة لبوس لكم " ( 1 ) [ الأنبياء : 80 ] ، وروي أن عيسى عليه السلام كان يأكل من غزل أمه . الثالث - التجارة ، وهي كانت عمل جل الصحابة رضوان الله عليهم ، وخاصة المهاجرين ، وقد دل عليها التنزيل في غير موضع .
هامش
( 1 ) راجع ج 11 ص 320 .