قوله تعالى : ( فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ) أي يوسعه له ، ويوفقه
ويزين عنده ثوابه . ويقال : شرح شق ، وأصله التوسعة . وشرح الله صدره وسعه بالبيان
لذلك . وشرحت الأمر : بنته وأوضحته . وكانت قريش تشرح النساء شرحا ، وهو مما تقدم :
من التوسعة والبسط ، وهو وطء المرأة مستلقية على قفاها . فالشرح : الكشف ، تقول :
شرحت الغامض ، ومنه تشريح اللحم . قال الراجز :
كم قد أكلت كبدا وإنفحه * ثم ادخرت إليه مشرحه
والقطعة منه شريحة . وكل سمين من اللحم ممتد فهو شريحة . ( ومن يرد أن يضله ) يغويه
( يجعل صدره ضيقا حرجا ) وهذا رد على القدرية . ونظير هذه الآية من السنة قوله عليه
السلام : ( من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ) أخرجه الصحيحان . ولا يكون ذلك إلا
بشرح الصدر وتنويره . والدين العبادات ، كما قال : " إن الدين عند الله الإسلام ( 1 ) " ودليل
خطابه أن من لم يرد الله به خيرا ضيق صدره ، وأبعد فهمه فلم يفقهه . والله أعلم . وروي أن
عبد الله بن مسعود قال : يا رسول الله ، وهل ينشرح الصدر ؟ فقال : ( نعم يدخل القلب
نور ) فقال : وهل لذلك من علامة ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : ( التجافي عن دار الغرور
والإنابة إلى دار الخلود والاستعداد للموت قبل نزول الموت ) . وقرأ ابن كثير " ضيقا "
بالتخفيف ، مثل ( 2 ) هين ولين لغتان . ونافع وأبو بكر " حرجا " بالكسر ، ومعناه الضيق .
كرر ( 3 ) المعنى ، وحسن ذلك لاختلاف اللفظ . والباقون بالفتح . جمع حرجة ، وهو شدة
الضيق أيضا ، والحرجة الغيضة ( 4 ) ، والجمع حرج وحرجات . ومنه فلان يتحرج أي يضيق على
نفسه في تركه هواه للمعاصي ، قال الهروي . وقال ابن عباس : الحرج موضع الشجر الملتف ،
فكأن قلب الكافر لا تصل إليه الحكمة كما لا تصل الراعية إلى الموضع الذي التف شجره .
وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه هذا المعنى ، ذكره مكي والثعلبي وغيرهما . وكل ضيق
حرج . قال الجوهري : مكان حرج وحرج أي ضيق كثير الشجر لا تصل إليه
هامش
( 1 ) راجع ج 4 ص 43 .
( 2 ) في ك : عين .
( 3 ) الأولى أن يكون حرجا : المتزايد في الضيق
فيكون أخص من الأول .
( 4 ) الشجر الملتف .