ولأن بعده " وينزل عليكم " فأضاف الفعل إلى الله عز وجل . فكذلك الإغشاء يضاف
إلى الله عز وجل ليتشاكل الكلام . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو " يغشاكم النعاس " بإضافة
الفعل إلى النعاس . دليله " أمنة نعاسا يغشى ( 1 ) " في قراءة من قرأ بالياء أو بالتاء ، فأضاف
الفعل إلى النعاس أو إلى الأمنة . والأمنة هي النعاس ، فأخبر أن النعاس هو الذي يغشى
القوم . وقرأ الباقون " يغشيكم " بفتح الغين وشد الشين . " النعاس " بالنصب على معنى
قراءة نافع ، لغتان بمعنى غشى وأغشى ، قال الله تعالى : " فأغشيناهم ( 2 ) " . وقال : " فغشاها
ما غشى ( 3 ) " . وقال : " كأنما أغشيت وجوههم ( 4 ) " . قال مكي : والاختيار ضم الياء والتشديد
ونصب النعاس ، لأن بعده " أمنة منه " والهاء في " منه " لله ، فهو الذي يغشيهم النعاس ،
ولأن الأكثر عليه . وقيل : أمنة من العدو و " أمنة " مفعول من أجله أو مصدر ،
يقال : أمن أمنة وأمنا وأمانا ، كلها سواء . والنعاس حالة الآمن الذي لا يخاف . وكان هذا
النعاس في الليلة التي كان القتال من غدها ، فكان النوم عجيبا مع ما كان بين أيديهم من الأمر
المهم ، ولكن الله ربط جأشهم . وعن علي رضي الله عنه قال : ما كان فينا فارس يوم بدر
غير المقداد على فرس أبلق ، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم
تحت شجرة يصلي ويبكي حتى أصبح ، ذكره البيهقي . ( 5 ) الماوردي : وفي امتنان الله عليهم
بالنوم في هذه الليلة وجهان : - أحدهما : أن قواهم بالاستراحة على القتال من الغد .
الثاني : أن أمنهم بزوال الرعب من قلوبهم ، كما يقال : الأمن منيم ، والخوف مسهر .
وقيل : غشاهم في حال التقاء الصفين . وقد مضى مثل هذا في يوم أحد في " آل عمران " .
قوله تعالى : ( وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان
وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام ) ظاهر القرآن يدل على أن النعاس كان قبل المطر .
وقال ابن أبي نجيح : كان المطر قبل النعاس . وحكى الزجاج : أن الكفار يوم بدر سبقوا المؤمنين
إلى ماء بدر فنزلوا عليه ، وبقى المؤمنون لا ماء لهم ، فوجست ( 6 ) نفوسهم وعطشوا وأجنبوا وصلوا
هامش
( 1 ) راجع ج 4 ص 241 .
( 2 ) راجع ج 15 ص 9 .
( 3 ) راجع ج 17 ص 118 .
( 4 ) راجع ج 8 ص 332 .
( 5 ) في ك ، ى : والماوردي .
( 6 ) وجست : وقع في نفوسهم الفزع .