المعرفة وثقة القلب . والوجل : الفزع من عذاب الله ، فلا تناقض . وقد جمع الله بين المعنيين
في قوله " الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم
تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ( 1 ) " . أي تسكن نفوسهم من حيث اليقين إلى الله وإن كانوا
يخافون الله . فهذه حالة العارفين بالله ، الخائفين من سطوته وعقوبته ، لا كما يفعله جهال
العوام والمبتدعة الطغام ( 2 ) من الزعيق والزئير ومن النهاق الذي يشبه نهاق الحمير . فيقال لمن تعاطى
ذلك وزعم أن ذلك وجد وخشوع : لم تبلغ أن تساوي حال الرسول ولا حال أصحابه في المعرفة
بالله ، والخوف منه ، والتعظيم لجلاله ، ومع ذلك فكانت حالهم عند المواعظ الفهم عن الله
والبكاء خوفا من الله . ولذلك وصف الله أحوال أهل المعرفة عند سماع ذكره وتلاوة كتابه
فقال : " وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق
يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين ( 3 ) " . فهذا وصف حالهم وحكاية مقالهم . ومن لم يكن
كذلك فليس على هديهم ولا على طريقتهم ، فمن كان مستنا فليستن ، ومن تعاطى أحوال
المجانين والجنون فهو من أخسهم حالا ، والجنون فنون . روى مسلم عن أنس بن مالك
أن الناس سألوا النبي صلى الله عليه وسلم حتى أحفوه ( 4 ) في المسألة ، فخرج ذات يوم فصعد المنبر
فقال : " سلوني لا تسألوني عن شئ إلا بينته لكم ما دمت في مقامي هذا " . فلما سمع ذلك
القوم أرموا ( 5 ) ورهبوا أن يكون بين ( يدي ( 6 ) ) أمر قد حضر . قال أنس : فجعلت ألتفت يمينا
وشمالا فإذا كل إنسان لاف رأسه في ثوبه يبكي . وذكر الحديث . وروى الترمذي وصححه
عن العرباض بن سارية قال : وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة بليغة ذرفت منها
العيون ، ووجلت منها القلوب . الحديث . ولم يقل : زعقنا ولا رقصنا ولا زفنا ( 7 ) ولا قمنا .
هامش
( 1 ) راجع ج 15 ص 248 .
( 2 ) الطغام والطغامة : أرذال الناس وأوغادهم .
( 3 ) راجع ج 6 ص 258 .
( 4 ) أي أكثروا عليه . أحفى في السؤال وألحف بمعنى ألح .
( 5 ) أرحم الرجل إرماما : إذا سكت فهو مرم .
( 6 ) زيادة عن صحيح مسلم .
( 7 ) زفن " من باب ضرب " : رقص ، وأصله الدفع الشديد والضرب بالرجل : كما يفعل الراقص .