هذا القول الطبري عن ابن الكلبي . وقال جمهور المفسرين : إن بني إسرائيل افترقت ثلاث
فرق ، وهو الظاهر من الضمائر في الآية . فرقة عصمت وصادت ، وكانوا نحوا من سبعين ألفا .
وفرقة اعتزلت ولم تنه ولم تعص ، وإن هذه
الطائفة قالت للناهية : لم تعظون قوما - تريد العاصية - الله مهلكهم أو معذبهم على غلبة
الظن ، وما عهد من فعل الله تعالى حينئذ بالأمم العاصية . فقالت الناهية : موعظتنا معذرة
إلى الله لعلهم يتقون . ولو كانوا فرقتين لقالت الناهية للعاصية : ولعلكم تتقون ، بالكاف .
ثم اختلف بعد هذا ، فقالت فرقة : إن الطائفة التي لم تنه ولم تعص هلكت مع العاصية عقوبة
على ترك النهي ، قاله ابن عباس . وقال أيضا : ما أدري ما فعل بهم ، وهو الظاهر من
الآية . وقال عكرمة : قلت لابن عباس لما قال ما أدري ما فعل بهم : ألا ترى أنهم قد
كرهوا ما هم عليه وخالفوهم فقالوا : لم تعظون قوما الله مهلكهم ؟ فلم أزل به حتى عرفته
أنهم قد نحوا ، فكساني حلة . وهذا مذهب الحسن . ومما يدل على أنه إنما هلكت الفرقة
العادية لا غير قوله : " وأخذنا الذين ظلموا " . وقوله : " ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت "
الآية . وقرأ عيسى وطلحة " معذرة " بالنصب . ونصبه عند الكسائي من وجهين : أحدهما
على المصدر . والثاني على تقدير فعلنا ذلك معذرة . وهي قراءة حفص عن عاصم . والباقون
بالرفع : وهو الاختيار ، لأنهم لم يريدوا أن يعتذروا اعتذارا مستأنفا من أمر ليموا عليه ، ولكنهم
قيل لهم : لم تعظون ؟ فقالوا : موعظتنا معذرة . ولو قال رجل لرجل : معذرة إلى الله وإليك
من كذا ، يريد اعتذارا ، لنصب . هذا قول سيبويه . ودلت الآية على القول بسد الذرائع .
وقد مضى في ( البقرة ) . ومضى فيها الكلام في الممسوخ هل ينسل أم لا ، مبينا ( 1 ) . والحمد لله .
ومضى في " آل عمران " و " المائدة " الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ( 2 ) . ومضى في ( النساء ( 3 ) )
اعتزال أهل الفساد ومجانبتهم ، وأن من جالسهم كان مثلهم ، فلا معنى للإعادة .
هامش
( 1 ) راجع ج 1 ص 439 فما بعد .
( 2 ) راجع ج 4 ص 46 وج 6 ص 253 .
( 3 ) راجع ج 5 ص 417 فما بعد .