ذكر أن موسى بشر به ، وأن عيسى بشر به . ثم أمره أن يقول بنفسه " إني رسول الله
إليكم جميعا " . و ( كلماته ) كلمات الله تعالى كتبه من التوراة والإنجيل والقرآن .
قوله تعالى : ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ( 159 )
أي يدعون الناس إلى الهداية . و ( يعدلون ) معناه في الحكم . وفي التفسير : إن هؤلاء قوم
من وراء الصين ، من وراء نهر الرمل ، يعبدون الله بالحق والعدل ، آمنوا بمحمد وتركوا السبت ،
يستقبلون قبلتنا ، لا يصل إلينا منهم أحد ، ولا منا إليهم أحد . فروي أنه لما وقع الاختلاف
بعد موسى كانت منهم أمة يهدون بالحق ، ولم يقدروا أن يكونوا بين ظهراني بني إسرائيل
حتى أخرجهم الله إلى ناحية من أرضه في عزلة من الخلق ، فصار لهم سرب في الأرض ،
فمشوا فيه سنة ونصف سنة حتى خرجوا وراء الصين ، فهم على الحق إلى الآن . وبين الناس
وبينهم بحر لا يوصل إليهم بسببه . ذهب جبريل بالنبي صلى الله عليه وسلم إليهم ليلة المعراج
فآمنوا به وعلمهم سورا من القرآن وقال لهم : هل لكم مكيال وميزان ؟ قالوا : لا ، قال :
فمن أين معاشكم ؟ قالوا : نخرج إلى البرية فنزرع ، فإذا حصدنا وضعناه هناك ، فإذا احتاج
أحدنا إليه يأخذ حاجته . قال : فأين نساؤكم ؟ قالوا : في ناحية منا ، فإذا احتاج أحدنا
لزوجته صار إليها في وقت الحاجة . قال : فيكذب أحدكم في حديثه ؟ قالوا : لو فعل ذلك
أحدنا أخذته لظى ، إن النار تنزل فتحرقه . قال : فما بال بيوتكم مستوية ؟ قالوا لئلا يعلو
بعضنا على بعض . قال : فما بال قبوركم على أبوابكم ؟ قالوا : لئلا نغفل عن ذكر الموت .
ثم لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الدنيا ليلة الإسراء أنزل عليه : " وممن خلقنا
أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ( 1 ) " يعني أمة محمد عليه السلام . يعلمه أن الذي أعطيت موسى
في قومه أعطيتك في أمتك . وقيل : هم الذين آمنوا بنبينا محمد عليه السلام من أهل الكتاب .
وقيل : هم قوم من بني إسرائيل تمسكوا بشرع موسى قبل نسخه ، ولم يبدلوا ولم يقتلوا الأنبياء .
هامش
( 1 ) راجع ص 329 من هذا لجزء . تأمل هذا مع كون الآية مدينة بالإجماع .