فيه مسألتان : الأولى - قوله تعالى : ( لا يفتننكم ) أي لا يصرفنكم الشيطان عن الدين ، كما فتن
أبويكم بالإخراج من الجنة . " أب " للمذكر ، و " أبة " للمؤنث . فعلى هذا قيل : أبوان
( ينزع عنهما لباسهما ) في موضع نصب على الحال . ويكون مستأنفا فيوقف على
" من الجنة " . " ليريهما " نصب بلام كي . ( إنه يراكم هو وقبيله ) الأصل يرءاكم
ثم خففت الهمزة . وقبيله عطف على المضمر وهو توكيد ليحسن العطف كقوله :
( أسكن أنت وزوجك الجنة ) وهذا يدل على أنه يقبح رأيتك وعمرو ، وأن المضمر
كالمظهر وفي هذا أيضا دليل على وجوب ستر العورة ، لقوله : ( ينزع عنهما لباسهما ) .
قال الآخرون : إنما فيه التحذير من زوال النعمة ، كما نزل بآدم . هذا أن
لو ثبت أن شرع آدم يلزمنا ، والأمر بخلاف ذلك .
الثانية - قوله تعالى : ( إنه يراكم هو وقبيله ) " قبيله " جنوده . قال مجاهد :
يعني الجن والشياطين . ابن زيد : " قبيله " نسله . وقيل : جيله . من حيث لا ترونهم
قال بعض العلماء : في هذا دليل على أن الجن لا يرون ، لقوله " من حيث لا ترونهم "
قيل : جائز أن يروا ، لأن الله تعالى إذا أراد أن يريهم كشف أجسامهم حتى ترى .
قال النحاس : " من حيث لا ترونهم " يدل على أن الجن لا يرون إلا في وقت نبي ،
ليكون ذلك دلالة على نبوته ، لأن الله جل وعز خلقهم خلقا لا يرون فيه ، وإنما يرون
إذا نقلوا عن صورهم . وذلك من المعجزات التي لا تكون إلا في وقت الأنبياء صلوات
الله وسلامه عليهم . قال القشيري : أجرى الله العادة بأن بني آدم لا يرون الشياطين اليوم .
وفي الخبر ( إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ) . وقال تعالى : " الذي يوسوس في صدور
الناس ( 1 ) " . وقال عليه السلام : ( إن للملك لمة وللشيطان لمة - أي بالقلب - فأما لمة الملك
فإيعاد بالخير وتصديق بالحق وأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق ) . وقد تقدم
هامش
( 1 ) راجع ج 20 ص 263 .