نزل بعدها قرآن كثير وسنن جمة . فنزل تحريم الخمر بالمدينة في " المائدة " . وأجمعوا على أن
نهيه عليه السلام عن أكل كل ذي ناب من السباع إنما كان منه بالمدينة . قال إسماعيل
بن إسحاق : وهذا كله يدل على أنه أمر كان بالمدينة بعد نزول قوله : " قل لا أجد فيما
أوحي إلي محرما " لأن ذلك مكي .
قلت : وهذا هو مثار الخلاف بين العلماء . فعدل جماعة عن ظاهر الأحاديث الواردة
بالنهي عن أكل كل ذي ناب من السباع ، لأنها متأخرة عنها والحصر فيها ظاهر فالأخذ بها
أولى ، لأنها إما ناسخة لما تقدمها أو راجحة على تلك الأحاديث . وأما القائلون بالتحريم فظهر
لهم وثبت عندهم أن سورة " الأنعام " مكية ، نزلت قبل الهجرة ، وأن هذه الآية قصد بها
الرد على الجاهلية في تحريم البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي ، ثم بعد ذلك حرم أمورا كثيرة
كالحمر الإنسية ولحوم البغال وغيرها ، وكل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير .
قال أبو عمر : ويلزم على قول من قال : " لا محرم إلا ما فيها " ألا يحرم ما لم يذكر اسم الله عليه
عمدا ، وتستحل الخمر المحرمة عند جماعة المسلمين . وفي إجماع المسلمين على تحريم خمر العنب
دليل واضح على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وجد فيما أوحي إليه محرما غير ما في سورة
" الأنعام " مما ( 1 ) قد نزل بعدها من القرآن . وقد اختلفت الرواية عن مالك في لحوم السباع
والحمير والبغال فقال ( مرة ( 2 ) ) : هي محرمة ، لما ورد من نهيه عليه السلام عن ذلك ، وهو
الصحيح من قول على ما في الموطأ . وقال مرة : هي مكروهة ، وهو ظاهر المدونة ، لظاهر
الآية ، ولما روي عن ابن عباس وابن عمر وعائشة من إباحة أكلها وهو قول الأوزاعي .
روى البخاري من رواية عمرو بن دينار قال : قلت لجابر بن زيد إنهم يزعمون أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم نهى عن لحوم الحمر الأهلية ؟ فقال : قد كان يقول ذلك الحكم بن عمرو الغفاري
عندنا بالبصرة ، ولكن أبى ذلك البحر ابن عباس ، وقرأ " قل لا أجد فيما أوحي إلى محرما " . وروي
عن ابن عمر أنه سئل عن لحوم السباع فقال : لا بأس بها . فقيل له : حديث أبي ثعلبة الخشني ( 3 )
هامش
( 1 ) في ك : فيما .
( 2 ) من ك .
( 3 ) حديث أبي ثعلبه : أنه روى
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أكل كل ذي ناب من السباع حرام " .