وقد اختلف العلماء في حكم هذه الآية وتأويلها على أقوال : الأول - ما أشرنا إليه من أن
هذه الآية مكية ، وكل محرم حرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم أو جاء في الكتاب مضموم
إليها ، فهو زيادة حكم من الله عز وجل على لسان نبيه عليه السلام . على هذا أكثر أهل العلم من
( أهل ( 1 ) ) النظر ، والفقه والأثر . ونظيره نكاح ( 2 ) المرأة على عمتها وعلى خالتها مع قوله : " وأحل
لكم ما وراء ( 3 ) ذلكم " وكحكمه باليمين مع الشاهد مع قول : " فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ( 4 ) "
وقد قيل : إنها منسوخة بقوله عليه السلام ( أكل كل ذي ناب من السباع
حرام ) أخرجه مالك ، وهو حديث صحيح . وقيل : الآية محكمة ولا حرام إلا ما فيها وهو
قول يروى عن ابن عباس وابن عمر وعائشة ، وروي عنهم خلافه . قال مالك : لا حرام
بين إلا ما ذكر في هذه الآية . وقال ابن خويز منداد : تضمنت هذه الآية تحليل كل شئ
من الحيوان وغيره إلا ما استثني في الآية من الميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير . ولهذا قلنا :
إن لحوم السباع وسائر الحيوان ما سوى الإنسان والخنزير مباح . وقال الكيا الطبري : وعليها
بنى الشافعي تحليل كل مسكوت عنه ، أخذا من هذه الآية ، إلا ما دل عليه الدليل . وقيل :
إن الآية جواب لمن سأل عن شئ بعينه فوقع الجواب مخصوصا . وهذا مذهب الشافعي .
وقد روى الشافعي عن سعيد بن جبير أنه قال : في هذه الآية أشياء سألوا عنها رسول الله
صلى الله عليه وسلم فأجابهم عن المحرمات من تلك الأشياء . وقيل : أي لا أجد فيما أوحي
إلى أي في ، هذه الحال حال الوحي ووقت نزوله ، ثم لا يمتنع حدوث وحي بعد ذلك بتحريم
أشياء أخر . وزعم ابن العربي أن هذه الآية مدنية ( وهي ( 5 ) ) مكية في قول الأكثرين ، نزلت على
النبي صلى الله عليه وسلم يوم نزل عليه " اليوم أكملت لكم دينكم ( 6 ) " ولم ينزل بعدها ناسخ فهي
محكمة ، فلا محرم إلا ما فيها ، وإليه أميل .
قلت : وهذا ما رأيته قال غيره . وقد ذكر أبو عمر بن عبد البر الإجماع في أن سورة
" الأنعام " مكية إلا قوله تعالى : " قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم " الثلاث الآيات ، وقد
هامش
( 1 ) من ع .
( 2 ) أي تحريمه .
( 3 ) راجع ج 5 ص 124 .
( 4 ) راجع ج 3 ص 391 .
( 5 ) من ك .
( 6 ) راجع ج 6 ص 47 .