فيقال [ له ] ( 1 ) : إنه كان ناقصا عما كان عند الله تعالى أنه ملحقه به وضامه إليه ، كالرجل يبلغه الله
مائة سنة فيقال : أكمل الله عمره ، ولا يجب عن ذلك أن يكون عمره حين كان ابن ستين
كان ناقصا نقص قصور وخلل ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول : ( من عمره الله
ستين سنة فقد أعذر إليه في العمر ) . ولكنه يجوز أن يوصف بنقصان مقيد فيقال : كان
ناقصا عما كان عند الله تعالى أنه مبلغه إياه ومعمره إليه . وقد بلغ الله بالظهر والعصر والعشاء
أربع ركعات ، فلو قيل عند ذلك أكملها لكان الكلام صحيحا ، ولا يجب عن ذلك أنها
كانت حين كانت ركعتين ناقصة نقص قصور وخلل ، ولو قيل : كانت ناقصة عما عند الله أنه
ضامه إليها وزائدة عليها لكان ذلك صحيحا فهكذا ، هذا في شرائع الاسلام وما كان شرع منها
شيئا فشيئا إلى أن أنهى الله الدين منتهاه الذي كان له عنده . والله أعلم .
والوجه الآخر : أنه أراد بقوله : " اليوم أكملت لكم دينكم " أنه وفقهم للحج الذي لم يكن
بقي عليهم من أركان الدين غيره ، فحجوا ، فاستجمع لهم الدين أداء لأركانه وقياما بفرائضه ،
فإنه يقول عليه السلام : ( بني الاسلام على خمس ) الحديث . وقد كانوا تشهدوا وصلوا وزكوا
وصاموا وجاهدوا واعتمروا ولم يكونوا حجوا ، فلما حجوا ذلك اليوم مع النبي صلى الله عليه وسلم
أنزل الله تعالى وهم بالموقف عشية عرفة " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي "
فإنما أراد أكمل وضعه لهم وفي ذلك دلالة على أن الطاعات كلها دين وإيمان وإسلام .
الخامسة والعشرون - قوله تعالى : " ورضيت لكم الاسلام دينا " أي أعلمتكم برضاي به
لكم دينا ، فإنه تعالى لم يزل راضيا بالاسلام لنا دينا ، فلا يكون لاختصاص الرضا بذلك اليوم
فائدة إن حملناه على ظاهره . و " دينا " نصب على التمييز ، وإن شئت على مفعول ثان . وقيل :
المعنى ورضيت عنكم إذا أنقدتم ( 2 ) لي بالدين الذي شرعته لكم . ويحتمل أن يريد " رضيت
لكم الاسلام دينا " أي ورضيت إسلامكم الذي أنتم عليه اليوم دينا باقيا بكماله إلى آخر الآية ( 3 )
لا أنسخ منه شيئا . والله أعلم . و " الاسلام " في هذه الآية هو الذي في قوله تعالى :
هامش
( 1 ) من ك .
( 2 ) في ك : أقررتم .
( 3 ) في كل الأصول : إلى آخر الآية . والصواب
ما في البحر لأبي حيان : إلى آخر الأبد لا ينسخ منه شئ .