الثامنة عشرة - قوله تعالى : ( وأن تستقسموا بالأزلام ) معطوف على ما قبله ، و " أن "
في محل رفع ، أي وحرم عليكم الاستقسام . والأزلام قداح الميسر ، واحدها زلم وزلم ، قال :
* بات يقاسيها غلام كالزلم ( 1 ) *
وقال آخر ، فجمع : فلئن جذيمة قتلت سرواتها * فنساؤها يضربن بالأزلام
وذكر محمد بن جرير : أن ابن وكيع حدثهم عن أبيه عن شريك عن أبي حصين عن سعيد بن جبير
أن الأزلام حصى بيض كانوا يضربون بها . قال محمد بن جرير : قال لنا سفيان بن وكيع : هي
الشطرنج . فأما قول لبيد : * تزل عن الثرى أزلامها ( 2 ) *
فقالوا : أراد أظلاف البقرة الوحشية . والأزلام العرب ثلاثة أنواع :
منها الثلاثة التي كان يتخذها كل إنسان لنفسه ، على أحدها أفعل ، وعلى الثاني لا تفعل ،
والثالث مهمل لا شئ عليه ، فيجعلها في خريطة معه ، فإذا أراد فعل شئ أدخل يده
- وهي متشابهة - فإذا خرج أحدها ائتمر وانتهى بحسب ما يخرج له ، وإن خرج القدح الذي
لا شئ عليه أعاد الضرب ، وهذه هي التي ضرب بها سراقة بن مالك بن جعشم حين أتبع النبي
صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وقت الهجرة ، وإنما قيل لهذا الفعل : استقسام لأنهم كانوا
يستقسمون به الرزق وما يريدون ، كما يقال : الاستسقاء في الاستدعاء للسقي . ونظير هذا الذي
حرمه الله تعالى قول المنجم : لا تخرج من أجل نجم كذا ، وأخرج من أجل نجم كذا . وقال جل
وعز : " وما تدري نفس ماذا تكسب غدا " ( 3 ) الآية [ لقمان : 34 ] . وسيأتي بيان هذا مستوفى إن شاء الله .
والنوع الثاني - سبعة قداح كانت عند هبل في جوف الكعبة مكتوب عليها ما يدور
بين الناس من النوازل ، كل قدح منها فيه كتاب ، قدح فيه العقل من أم الديات ، وفي آخر
" منكم " وفي آخر " من غيركم " ، وفي آخر " ملصق " ( 4 ) ، وفي سائرها أحكام المياه وغير ذلك ،
هامش
( 1 ) تقدم الكلام عليه في غير موضع ، راجع قداح الميسر في ج 3 ص 58 .
( 2 ) البيت بتمامه : حتى إذا حسر الظلام وأسفرت * بكرت تزل عن الثرى ( أزلامها )
( 3 ) راجع ج 14 ص 82 .
( 4 ) كان العرب إذا شكوا في نسب أحدهم ذهبوا به إلى هبل وبمائة درهم وجزور ، فأعطوها صاحب القداح
الذي يضرب بها ، ثم قربوا صاحبهم الذي يريدون به ما يريدون ، ثم قالوا : يا إلهنا هذا فلان بن فلان قد أردنا به
كذا وكذا فأخرج الحق فيه ، ثم يقولون لصاحب القداح : اضرب ، فإن خرج عليه ( منكم ) كان منهم وسيطا ، وإن
خرج ( من غيركم ) كان حليفا ، وإن خرج ( ملصق ) كان على منزلته فيهم لا نسب له ولا حلف . ( سيرة ابن هشام ) .