كان هذا لأمر شريح بن ضبيعة البكري ( 1 ) - ويلقب بالحطم - أخذته جند رسول الله عليه وسلم
وسلم وهو في عمرته فنزلت هذه الآية ، ثم نسخ هذا الحكم كما ذكرنا . وأدرك الحطم هذا ردة
اليمامة فقتل مرتدا وقد روي من خبره أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة ، وخلف
خيله خارج المدينة فقال : إلام تدعو الناس ؟ فقال : ( إلى شهادة أن لا إله إلا الله وإقام
الصلاة وإيتاء الزكاة ) فقال : حسن ، إلا أن لي أمراء لا أقطع أمرا دونهم ولعلي أسلم
وآتي بهم ، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه : ( يدخل عليكم رجل يتكلم بلسان
شيطان ) ثم خرج من عنده فقال عليه الصلاة والسلام : ( لقد دخل بوجه كافر وخرج بقفا غادر
وما الرجل بمسلم ) . فمر بسرح ( 2 ) المدينة فاستاقه ، فطلبوه فعجزوا عنه ، فانطلق وهو يقول :
قد لفها الليل بسواق حطم ( 3 ) * ليس براعي إبل ولا غنم
ولا بجزار على ظهر وضم ( 4 ) * باتوا نياما وابن هند لم ينم
بات يقاسيها غلام كالزلم ( 5 ) * خدلج الساقين خفاق القدم ( 7 )
فلما خرج النبي صلى الله عليه وسلم عام القضية ( 8 ) سمع تلبية حجاج اليمامة فقال : ( هذا الحطم
وأصحابه ) . وكان قد قلد ما نهب من سرح المدينة وأهداه إلى مكة ( 9 ) ، فتوجهوا في طلبه ، فنزلت
الآية ، أي لا تحلوا ما أشعر لله وإن كانوا مشركين ، ذكره ابن عباس .
التاسعة - وعلى أن الآية محكمة قوله تعالى : " لا تحلوا شعائر الله " يوجب إتمام
أمور المناسك ، ولهذا قال العلماء : إن الرجل إذا دخل في الحج ثم أفسده فعليه أن يأتي بجميع
أفعال الحج ، ولا يجوز أن يترك شيئا منها وإن فسد حجه ، ثم عليه القضاء في السنة الثانية .
قال أبو الليث السمرقندي : وقوله تعالى : ( ولا الشهر الحرام ) منسوخ بقوله : ( وقاتلوا
المشركين كافة ) ( 10 ) وقوله : ( ولا الهدي ولا القلائد ) محكم لم ينسخ فكل من قلد الهدي
هامش
( 1 ) في ز : الكندي وفي أسباب النزول للواحدي : نزلت في الخطيم واسمه شريح بن ضبيع الكندي .
( 2 ) السرح : المال السائم .
( 3 ) رجل حطم وحطمة : إذا كان قليل الرحمة للماشية يهشم بعضها ببعض .
( 4 ) الوضم : كل شئ يوضع عليه اللحم من خشب أو حصير يوقى به من الأرض .
( 5 ) الزلم : ( بفتح الزاي وضمها ) القدح ، والجمع الأزلام وهي السهام التي كان أهل الجاهلية يستقسمون بها .
( 6 ) خدلج الساقين : عظيمهما .
( 7 ) خفاق القدم : عريض صدر القدمين .
( 8 ) القضية : قضاء العمرة التي أحصر عنها .
( 9 ) في ج وز : الكعبة .
( 10 ) راجع ج 8 ص 136 .