فما استيسر من الهدي " [ البقرة : 196 ] وأقله شاة عند الفقهاء . وقال مالك : إذا قال ثوبي هدي يجعل
ثمنه في هدي . " والقلائد " ما كان الناس يتقلدونه أمنة لهم ، فهو على حذف مضاف ،
أي ولا أصحاب القلائد ثم نسخ . قال ابن عباس : آيتان نسختا من " المائدة " آية القلائد
وقوله : " فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم " [ المائدة : 42 ] فأما القلائد فنسخها الامر بقتل
المشركين حيث كانوا وفي أي شهر كانوا . وأما الأخرى فنسخها قوله تعالى : " وأن احكم
بينهم بما أنزل الله " [ المائدة : 49 ] على ما يأتي . وقيل : أراد بالقلائد نفس القلائد ، فهو نهى عن أخذ
لحاء ( 1 ) شجر الحرم حتى يتقلد به طلبا للأمن ، قاله مجاهد وعطاء ومطرف بن الشخير . والله أعلم .
وحقيقة الهدي كل معطى لم يذكر معه عوض . وأتفق الفقهاء على أن من قال : لله علي
هدي أنه يبعث بثمنه إلى مكة . وأما القلائد فهي كل ما علق على أسنمة الهدايا وأعناقها
علامة أنه لله سبحانه ، من نعل أو غيره ، وهي سنة إبراهيمية بقيت في الجاهلية وأقرها
الاسلام ، وهي سنة البقر والغنم . قالت عائشة رضي الله عنها : أهدى رسول الله صلى الله
عليه وسلم مرة إلى البيت غنما فقلدها ، أخرجه البخاري ومسلم ، وإلى هذا صار جماعة من
العلماء : الشافعي وأحمد وإسحق وأبو ثور وابن حبيب ، وأنكره مالك وأصحاب الرأي وكأنهم
لم يبلغهم هذا الحديث في تقليد الغنم ، أو بلغ لكنهم ردوه لانفراد الأسود به عن عائشة
رضي الله عنها ، فالقول به أولى . والله أعلم . وأما البقر فإن كانت لها أسنمة أشعرت
كالبدن ، قاله ابن عمر ، وبه قال مالك . وقال الشافعي : تقلد وتشعر مطلقا ولم يفرقوا .
وقال سعيد بن جبير : تقلد ولا تشعر ، وهذا القول أصح إذ ليس لها سنام ، وهي أشبه بالغنم
منها بالإبل . والله أعلم .
الخامسة - واتفقوا فيمن قلد بدنة على نية الاحرام وساقها أنه يصير محرما ، قال الله
تعالى : " لا تحلوا شعائر الله " إلى أن قال : " فاصطادوا " ولم يذكر الاحرام لكن لما ذكر
التقليد عرف أنه بمنزلة الاحرام .
هامش
( 1 ) لحاء الشجر : قشره .