والنظر في قوله : ( انظر ) يراد به نظر الاعتبار ، ثم قيل : " كذبوا " بمعنى يكذبون ، فعبر
عن المستقبل بالماضي ، وجاز أن يكذبوا في الآخرة لأنه موضع دهش وحيرة وذهول عقل .
وقيل : لا يجوز أن يقع منهم كذب في الآخرة ، لأنها دار جزاء على ما كان في الدنيا - وعلى
ذلك أكثر أهل النظر - وإنما ذلك في الدنيا ، فمعنى " والله ربنا ما كنا مشركين " على هذا :
ما كنا مشركين عند أنفسنا ، وعلى جواز أن يكذبوا في الآخرة يعارضه قوله : ( ولا يكتمون
الله حديثا ) ، ولا معارضة ولا تناقض ، لا يكتمون الله حديثا في بعض المواطن إذا شهدت
عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بعملهم ، ويكذبون على أنفسهم في بعض المواطن قبل شهادة
الجوارح على ما تقدم . والله أعلم . وقال سعيد بن جبير في قوله تعالى : " والله ربنا ما كنا
مشركين " قال : اعتذروا وحلفوا ، وكذلك قال ابن أبي نجيح وقتادة : وروي عن مجاهد
أنه قال : لما رأوا أن الذنوب تغفر إلا الشرك بالله والناس يخرجون من النار قالوا :
" والله ربنا ما كنا مشركين " وقيل : " والله ربنا ما كنا مشركين " أي علمنا أن الأحجار
لا تضر ولا تنفع ، وهذا وإن كان صحيحا من القول فقد صدقوا ولم يكتموا ، ولكن لا يعذرون
بهذا ، فإن المعاند كافر غير معذور . ثم قيل في قوله : " ثم لم تكن فتنتهم " خمس قراءات :
قرأ حمزة والكسائي " يكن " بالياء " فتنتهم " بالنصب خبر " يكن " " إلا أن قالوا "
اسمها أي إلا قولهم ، فهذه قراءة بينة . وقرأ أهل المدينة وأبو عمرو " تكن " بالتاء " فتنتهم "
بالنصب ( إلا أن قالوا ) أي إلا مقالتهم . وقرأ أبي وابن مسعود وما كان - بدل
[ قوله ] ( 1 ) ( ثم لم تكن ) - فتنتهم إلا أن قالوا ) . وقرأ ابن عامر وعاصم من رواية حفص ،
والأعمش من رواية المفضل ، والحسن وقتادة وغيرهم ( ثم لم تكن " بالتاء " فتنتهم "
بالرفع اسم " تكن " والخبر " إلا أن قالوا " فهذه أربع قراءات . الخامسة : " ثم لم يكن "
بالياء ( فتنتهم ) ، [ رفع ] ( 1 ) ويذكر الفتنة لأنها بمعنى الفتون ، ومثله " فمن جاءه موعظة
من ربه فانتهى " ( 2 ) [ البقرة : 275 ] . " والله " [ الواو ] ( 3 ) واو القسم " ربنا " نعت لله عز وجل ، أو بدل . ومن
نصب فعلى النداء أي يا ربنا وهي قراءة حسنة ، لان فيها معنى الاستكانة والتضرع ، إلا أنه
فصل بين القسم وجوابه بالمنادى .
هامش
( 1 ) من ب وج وك وع .
( 2 ) راجع ج 3 ص 347 .
( 3 ) من ك .