الباقون ، فالرفع على أن حسب بمعنى علم وتيقن . و " أن " مخففة من الثقيلة ودخول " لا "
عوض من التخفيف ، وحذف الضمير لأنهم كرهوا أن يليها الفعل وليس من حكمها أن تدخل
عليه ، ففصلوا بينهما ( بلا ) . ومن نصب جعل " أن " ناصبة للفعل ، وبقي حسب على
بابه من الشك وغيره . قال سيبويه : حسبت ألا يقول ذلك ، أي حسبت أنه قال ذلك .
وإن شئت نصبت ، قال النحاس : والرفع عند النحويين في حسب وأخواتها أجود كما قال : ( 1 )
ألا زعمت بسباسة اليوم أنني * كبرت وألا يشهد اللهو أمثالي
وإنما صار الرفع أجود ، لان حسب وأخواتها بمنزلة العلم لأنه ( 2 ) شئ ثابت .
قوله تعالى : ( فعموا ) أي عن الهدى . ( وصموا ) أي عن سماع الحق ، لأنهم لم
ينتفعوا بما رأوه ولا سمعوه . ( ثم تاب الله عليهم ) في الكلام إضمار ، أي أوقعت بهم الفتنة
فتابوا فتاب الله عليهم بكشف القحط ، أو بإرسال محمد صلى الله عليه وسلم يخبرهم بأن الله يتوب
عليهم إن آمنوا ، فهذا بيان " تاب الله عليهم " أي يتوب عليهم إن آمنوا وصدقوا لا أنهم تابوا
على الحقيقة . ( ثم عموا وصموا كثير منهم ) أي عمي كثير منهم وصم بعد تبين الحق لهم بمحمد
عليه الصلاة والسلام ، فارتفع " كثير " على البدل من الواو . وقال الأخفش سعيد : كما
تقول رأيت قومك ثلثيهم . وإن شئت كان على إضمار مبتدأ أي العمي والصم كثير منهم .
وإن شئت كان التقدير العمي والصم منهم كثير . وجواب رابع أن يكون على لغة من قال :
( أكلوني البراغيث ) وعليه قول الشاعر :
ولكن ديافي أبوه وأمه * بحوران يعصرن السليط أقاربه
ومن هذا المعنى قوله : " وأسروا النجوى ( 4 ) الذين ظلموا " [ الأنبياء : 3 ] . ويجوز في غير القرآن
( كثيرا ) بالنصب يكون نعتا لمصدر محذوف .
هامش
( 1 ) البيت لامرئ القيس ويروى في ديوانه ( ألا يحسن اللهو ) . وبسباسة امرأة من بني أسد .
( 2 ) في ج وع : في أنه .
( 3 ) البيت للفرزدق يهجو عمرو بن عفراء . ودياف قرية بالشام ، وقيل :
بالجزيرة ، وأهلها نبط الشام . والسليط : الزيت .
( 4 ) راجع ج 11 ص 268 .