كقوله تعالى : " ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء " ( 1 ) [ النساء : 116 ] أما إن الخوف يغلب عليهم بحسب
الوعيد وكبر المعصية ( 2 ) .
الخامسة عشرة - قوله تعالى : ( إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم )
استثنى عز وجل التائبين قبل أن يقدر عليهم ، وأخبر بسقوط حقه عنهم بقوله :
" فاعلموا أن الله غفور رحيم " . أما القصاص وحقوق الآدميين فلا تسقط . ومن تاب بعد
القدرة فظاهر الآية أن التوبة لا تنفع ، وتقام الحدود عليه كما تقدم . وللشافعي قول أنه
يسقط كل حد بالتوبة ، والصحيح من مذهبه أن ما تعلق به حق الآدمي قصاصا كان أو غيره
فإنه لا يسقط بالتوبة قبل القدرة عليه . وقيل : أراد بالاستثناء المشرك إذا تاب وآمن قبل
القدرة عليه فإنه تسقط عنه الحدود ، وهذا ضعيف ، لأنه إن آمن بعد القدرة عليه لم يقتل
أيضا بالاجماع . وقيل : إنما لا يسقط الحد عن المحاربين بعد القدرة عليهم - والله أعلم -
لأنهم متهمون بالكذب في توبتهم والتصنع فيها إذا نالتهم يد الامام ، أو لأنه لما قدر عليهم
صاروا بمعرض أن ينكل بهم فلم تقبل توبتهم ، كالمتلبس بالعذاب من الأمم قبلنا ، أو من صار
إلى حال الغرغرة فتاب ، فأما إذا تقدمت توبتهم القدرة عليهم ، فلا تهمة وهي نافعة على
ما يأتي بيانه في سورة " يونس " ( 3 ) ، فأما الشراب والزناة والسراق إذا تابوا وأصلحوا وعرف
ذلك منهم ، ثم رفعوا إلى الامام فلا ينبغي له أن يحدهم ، وإن رفعوا إليه فقالوا تبنا لم يتركوا ،
وهم في هذه الحال كالمحاربين إذا غلبوا . والله أعلم .
قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة
وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون ( 35 ) إن الذين كفروا لو أن لهم
ما في الأرض جميعا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة
ما تقبل منهم ولهم عذاب أليم ( 36 )
هامش
( 1 ) راجع ج 5 ص 385 .
( 2 ) كذا في الأصل وفي تفسير ابن عطية . والذي في البحر :
( وهذا الوعيد كغيره مقيد بالمشيئة ، وله تعالى أن يغفر هذا الذنب ولكن في الوعيد خوف على المتوعد عليه نفاذ الوعيد )
وهو أوضح .
( 3 ) راجع ج 8 ص 383 .