وأصحاب الرأي : لا يقطع من قطاع الطريق إلا من أخذ قدر ما تقطع فيه يد السارق ، وقال
مالك : يحكم عليه بحكم المحارب وهو الصحيح ، فإن الله تعالى وقت على لسان نبيه عليه الصلاة
والسلام القطع في السرقة في ربع دينار ، ولم يوقت في الحرابة شيئا ، بل ذكر جزاء المحارب ، فاقتضى
ذلك توفية الجزاء لهم على المحاربة عن حبة ، ثم إن هذا قياس أصل على أصل وهو مختلف فيه ،
وقياس الاعلى بالأدنى والأدنى بالأسفل وذلك عكس القياس . وكيف يصح أن يقاس المحارب
على السارق وهو يطلب خطف المال فإن شعر به فر ، حتى إن السارق إذا دخل بالسلاح
يطلب المال فإن منع منه أو صبح عليه وحارب عليه فهو محارب يحكم عليه بحكم المحارب . قال
القاضي ابن العربي : كنت في أيام حكمي بين الناس إذا جاءني أحد بسارق ، وقد دخل الدار
بسكين يحبسه على قلب صاحب الدار وهو نائم ، وأصحابه يأخذون مال الرجل ، حكمت فيهم
بحكم المحاربين ، فافهموا هذا من أصل الدين ، وارتفعوا إلى يفاع العلم عن حضيض الجاهلين .
قلت : اليفع ( 1 ) أعلى الجبل ومنه غلام يفعة إذا ارتفع إلى البلوغ ، والحضيض الحفرة
في أسفل الوادي ، كذا قال أهل اللغة .
السابعة - ولا خلاف في أن الحرابة يقتل فيها من قتل وإن لم يكن المقتول مكافئا
للقاتل ، وللشافعي قولان : أحدهما - أنها تعتبر المكافأة لأنه قتل فاعتبر فيه المكافأة كالقصاص ،
وهذا ضعيف ، لان القتل هنا ليس على مجرد القتل وإنما هو على الفساد العام من التخويف
وسلب المال ، قال الله تعالى : " إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض
فسادا أن يقتلوا " فأمر تعالى بإقامة الحدود على المحارب إذا جمع شيئين محاربة وسعيا
في الأرض بالفساد ، ولم يخص شريفا من وضيع ، ولا رفيعا من دنئ .
الثامنة - وإذا خرج المحاربون فاقتتلوا مع القافلة فقتل بعض المحاربين ولم يقتل
بعض قتل الجميع . وقال الشافعي : لا يقتل إلا من قتل ، وهذا أيضا ضعيف ، فإن من حضر
هامش
( 1 ) اليفع بمعنى اليفاع .