لا سيما وقد ثبت في صحيح مسلم وكتاب النسائي وغيرهما قال : إنما سمل [ النبي صلى الله عليه وسلم ] ( 1 )
أعين أولئك لأنهم سملوا أعين الرعاة ، فكان هذا قصاصا ، وهذه الآية في المحارب المؤمن .
قلت : وهذا قول حسن ، وهو معنى ما ذهب إليه مالك والشافعي ، ولذلك قال الله
تعالى : " إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم " ومعلوم أن الكفار لا تختلف أحكامهم
في زوال العقوبة عنهم بالتوبة بعد القدرة كما تسقط قبل القدرة . والمرتد يستحق القتل بنفس
الردة - دون المحاربة - ولا ينفى ولا تقطع يده ولا رجله ولا يخلى سبيله بل يقتل إن لم
يسلم ، ولا يصلب أيضا ، فدل أن ما اشتملت عليه الآية ما عنى به المرتد . وقال تعالى في حق
الكفار : " قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف " [ الأنفال : 38 ] . وقال في المحاربين : " إلا الذين
تابوا " الآية ، وهذا بين . وعلى ما قررناه في أول الباب لا إشكال ولا لوم ولا عتاب إذ هو
مقتضى الكتاب ، قال الله تعالى : " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " ( 2 ) [ البقرة : 194 ]
فمثلوا فمثل بهم ، إلا أنه يحتمل أن يكون العتاب إن صح على الزيادة في القتل ، وذلك تكحيلهم
بمسامير محماة وتركهم عطاشى حتى ماتوا ، والله أعلم . وحكى الطبري عن السدي : أن النبي صلى
الله عليه وسلم يسمل أعين العرنيين وإنما أراد ذلك ، فنزلت الآية ناهية عن ذلك ، وهذا
ضعيف جدا ، فإن الاخبار الثابتة وردت بالسمل ، وفي صحيح البخاري : فأمر بمسامير فأحميت
فكحلهم . ولا خلاف بين أهل العلم أن حكم هذه الآية مترتب في المحاربين من أهل الاسلام
وإن كانت نزلت في المرتدين أو اليهود . وفي قوله تعالى : " إنما جزاء الذين يحاربون الله
ورسوله " استعارة ومجاز ، إذ الله سبحانه وتعالى لا يحارب ولا يغالب لما هو عليه من
صفات الكمال ، ولما وجب له من التنزيه عن الأضداد والأنداد . والمعنى : يحاربون أولياء
الله ، فعبر بنفسه العزيزة عن أوليائه إكبارا لإذايتهم ، كما عبر بنفسه عن الفقراء الضعفاء في قوله :
" من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا " [ البقرة : 245 ] حثا على الاستعطاف عليهم ، ومثله في صحيح السنة
( استطعمتك فلم تطعمني ) . الحديث أخرجه مسلم ، وقد تقدم في " البقرة " ( 3 ) .
هامش
( 1 ) من ج وك وه .
( 2 ) راجع ج 2 ص 354 ( 3 ) راجع ج 3 ص 240 .