" يبحث " معناه يفتش التراب بمنقاره ويثيره . ومن هذا سميت سورة " براءة " البحوث ( 1 ) ،
لأنها فتشت عن المنافقين ، ومن ذلك قول الشاعر :
إن الناس غطوني تغطيت عنهم * وإن بحثوني كان ( 2 ) فيهم مباحث
وفي المثل : لا تكن كالباحث على الشفرة ، قال الشاعر :
فكانت كعنز السوء قامت برجلها * إلى مدية مدفونة تستثيرها
الثانية - بعث الله الغراب حكمة ، ليرى ابن آدم كيفية المواراة ، وهو معنى قوله
تعالى : " ثم أماته فأقبره " ( 3 ) [ عبس : 21 ] فصار فعل الغراب في المواراة سنة باقية في الخلق ، فرضا على
جميع الناس على الكفاية ، من فعله منهم سقط فرضه عن الباقين . وأخص الناس به الأقربون
الذين يلونه ، ثم الجيرة ، ثم سائر المسلمين . وأما الكفار فقد روى أبو داود عن علي قال :
قلت للنبي صلى الله عليه وسلم إن عمك الشيخ الضال قد مات ، قال : ( أذهب فوار أباك
التراب ثم لا تحدثن شيئا حتى تأتيني ) فذهبت فواريته وجئته فأمرني فاغتسلت ودعا لي .
الثالثة - ويستحب في القبر سعته وإحسانه ، لما رواه ابن ماجة عن هشام بن عامر
رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( احفروا وأوسعوا وأحسنوا ) .
وروي عن الأدرع السلمي قال : جئت ليلة أحرس النبي صلى الله عليه وسلم ، فإذا رجل قراءته
عالية ، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله : هذا مراء ( 4 ) ، قال : فمات بالمدينة
ففرغوا من جهازه فحملوا نعشه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ارفقوا به رفق الله به
إنه كان يحب الله ورسوله ) . قال : وحضر حفرته فقال : ( أوسعوا له وسع الله عليه ) فقال
بعض أصحابه : [ يا رسول الله ] ( 5 ) لقد حزنت عليه ؟ فقال : ( أجل إنه كان يحب الله ورسوله ) ،
أخرجه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن زيد بن الحباب عن موسى بن عبيدة عن سعيد بن أبي سعيد .
هامش
( 1 ) البحوث ( بضم الباء ) جمع بحث ، وقال ابن الأثير : رأيت في ( الفائق ) سورة ( البحوث ) بفتح ( الباء ) فإن
صحت فهي فعول من أبنية المبالغة ، ويكون من باب إضافة الموصوف إلى الصفة .
( 2 ) كذا في ابن عطية ،
والذي في الأصول : كنت فيهم مباحث .
( 3 ) راجع ج 19 ص 215 ( 4 ) من الرياء وكأنه
عليه الصلاة والسلام أعرض عن كلامه تنبيها على أنه خطأ ، ثم بين في وقت آخر أن الامر على خلاف ما زعم .
( هامش ابن ماجة ) .
( 5 ) الزيادة عن ( ابن ماجة ) .