فيه إحدى عشرة مسألة :
الأولى - قوله تعالى : ( وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة ) روى الدارقطني عن
أبي عياش الزرقي قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعسفان ، فاستقبلنا المشركون ،
عليهم خالد بن الوليد وهم بيننا وبين القبلة ، فصلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم الظهر ، فقالوا :
قد كانوا على حال لو أصبنا غرتهم ، قال : ثم قالوا تأتي الآن عليهم صلاة هي أحب إليهم
من أبنائهم وأنفسهم ، قال : فنزل جبريل عليه السلام بهذه الآية بين الظهر والعصر
( وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة ) . وذكر الحديث . وسيأتي تمامه إن شاء الله تعالى .
وهذا كان سبب إسلام خالد رضي الله عنه . وقد اتصلت هذه الآية بما سبق من ذكر
الجهاد . وبين الرب تبارك وتعالى أن الصلاة لا تسقط بعذر السفر ولا بعذر الجهاد وقتال
العدو ، ولكن فيها رخص على ما تقدم في ( البقرة ( 1 ) ) وهذه السورة ، بيانه من اختلاف العلماء .
وهذه الآية خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ، وهو يتناول الامراء بعده إلى يوم القيامة ،
ومثله قوله تعالى : ( خذ من أموالهم صدقة ( 2 ) ) هذا قول كافة العلماء . وشذ أبو يوسف
وإسماعيل بن علية فقالا : لا نصلي صلاة الخوف بعد النبي صلى الله عليه وسلم ، فإن الخطاب
كان خاصا له بقوله تعالى : ( وإذا كنت فيهم ) وإذا لم يكن فيهم لم يكن ذلك لهم ، لان
النبي صلى الله عليه وسلم ليس كغيره في ذلك ، وكلهم كان يحب أن يأتم به ويصلي خلفه ،
وليس أحد بعده يقوم في الفضل مقامه ، والناس بعده تستوي أحوالهم وتتقارب ، فلذلك
يصلي الامام بفريق ويأمر من يصلي بالفريق الآخر ، وأما أن يصلوا بإمام واحد فلا .
وقال الجمهور : إنا قد أمرنا باتباعه والتأسي به في غير ما آية وغير حديث ، فقال تعالى :
( فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة ( 3 ) . . . ) وقال صلى الله عليه وسلم : ( صلوا كما
رأيتموني أصلي ) . فلزم اتباعه مطلقا حتى يدل دليل واضح على الخصوص ، ولو كان ما ذكروه
دليلا على الخصوص للزم قصر الخطابات على من توجهت له ، وحينئذ [ كان ( 4 ) ] يلزم أن تكون
الشريعة قاصرة على من خوطب بها ، ثم إن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين اطرحوا توهم
هامش
( 1 ) راجع ج 3 ص 223
( 2 ) راجع ج 8 ص 244
( 3 ) راجع ج 12 ص 322
( 4 ) من ج وط وز .