وراغمت فلانا هجرته وعاديته ، ولم أبال إن رغم أنفه . وقيل : إنما سمي مهاجرا ومراغما
لان الرجل كان إذا أسلم عادى قومه وهجرهم ، فسمى خروجه مراغما ، وسمى مصيره إلى النبي
صلى الله عليه وسلم هجرة . وقال السدي : المراغم المبتغي للمعيشة . وقال ابن القاسم : سمعت
مالكا يقول : المراغم الذهاب في الأرض . وهذا كله تفسير بالمعنى ، وكله قريب بعضه من
بعض ، فأما الخاص باللفظة فإن المراغم موضع المراغمة كما ذكرنا ، وهو أن يرغم كل واحد
من المتنازعين أنف صاحبه بأن يغلبه على مراده ، فكأن كفار قريش أرغموا أنوف المحبوسين
بمكة ، فلو هاجر منهم مهاجر لأرغم أنوف قريش لحصوله في منعة منهم ، فتلك المنعة هي موضع
المراغمة . ومنه قول النابغة :
كطرد يلاذ بأركانه * عزيز المراغم والمهرب
الثانية - قوله تعالى : ( وسعة ) أي في الرزق ، قاله ابن عباس والربيع والضحاك .
وقال قتادة : المعنى سعة من الضلالة إلى الهدى ومن العيلة إلى الغنى . وقال مالك : السعة سعة
البلاد . وهذا أشبه بفصاحة العرب ، فإن بسعة الأرض وكثرة المعاقل تكون السعة في الرزق ،
واتساع الصدر لهمومه وفكره وغير ذلك من وجوه الفرج . ونحو هذا المعنى قول الشاعر :
وكنت إذا خليل رام قطعي * وجدت ورأي منفسحا عريضا
آخر :
لكان لي مضطرب واسع * في الأرض ذات الطول والعرض
الثالثة - قال مالك : هذه الآية دالة على أنه ليس لأحد المقام بأرض يسب فيها
السلف ويعمل فيها بغير الحق . وقال : والمراغم الذهاب في الأرض ، والسعة سعة البلاد
على ما تقدم . واستدل أيضا بعض العلماء بهذه الآية على أن للغازي إذا خرج إلى الغزو
ثم مات قبل القتال له سهمه وإن لم يحضر الحرب ، رواه ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب
عن أهل المدينة . وروي ذلك عن ابن المبارك أيضا .
الرابعة - قوله تعالى : ( ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ) الآية .
قال عكرمة مولى ابن عباس : طلبت اسم هذا الرجل أربع عشرة سنة حتى وجدته . وفى قول
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 348
مساهمون: القرطبي
ص٣٤٨