وزعم الفراء أنه مخاطبة للأولياء ، لأنهم كانوا يأخذون الصداق ولا يعطون المرأة منه شيئا ،
فلم يبح لهم منه إلا ما طابت به نفس المرأة . والقول الأول أصح ، لأنه لم يتقدم ( 1 ) للأولياء ذكر ،
والضمير في ( منه ) عائد على الصداق . وكذلك قال عكرمة وغيره . وسبب الآية فيما ذكر
أن قوما تحرجوا أن يرجع إليهم شئ مما دفعوه إلى الزوجات فنزلت ( فإن طبن لكم ) .
الخامسة - واتفق العلماء على أن المرأة المالكة لأمر نفسها إذا وهبت صداقها
لزوجها نفذ ذلك عليها ، ولا رجوع لها فيه . إلا أن شريحا رأى الرجوع لها فيه ، واحتج
بقوله : ( فإن طبن لكم عنه شئ منه نفسا ) وإذا كانت طالبة له لم تطب به نفسا . قال
ابن العربي : وهذا باطل ، لأنها قد طابت وقد أكل فلا كلام لها ، إذ ليس المراد صورة
الاكل ، وإنما هو كناية عن الاحلال والاستحلال ، وهذا بين .
السادسة - فإن شرطت عليه عند عقد النكاح ألا يتزوج عليها ، وحطت عنه لذلك
شيئا من صداقها ، ثم تزوج عليها فلا شئ لها عليه في رواية ابن القاسم ، لأنها شرطت عليه
ما لا يجوز شرطه . كما اشترط أهل بريرة ( 2 ) أن تعتقها عائشة والولاء لبائعها ، فصحح النبي صلى
الله عليه وسلم العقد وأبطل الشرط . كذلك ههنا يصح إسقاط بعض الصداق عنه وتبطل
الزيجة ( 3 ) . قال ابن عبد الحكم : إن كان بقي من صداقها مثل صداق مثلها أو أكثر لم ترجع
عليه بشئ ، وإن كانت وضعت عنه شيئا من صداقها فتزوج عليها رجعت عليه بتمام صداق
مثلها ، لأنه شرط على نفسه شرطا وأخذ عنه عوضا كان لها واجبا أخذه منه ، فوجب عليه
الوفاء لقوله عليه السلام : ( المؤمنون عند شروطهم ) .
السابعة - وفي الآية دليل على أن العتق لا يكون صداقا ، لأنه ليس بمال ، إذ لا يمكن
المرأة هبته ولا الزوج أكله . وبه قال مالك وأبو حنيفة وزفر ومحمد والشافعي . وقال أحمد
ابن حنبل وإسحاق ويعقوب : يكون صداقا ولا مهر لها غير العتق ، على حديث صفية ( 4 ) -
هامش
( 1 ) في ج وب وز وط : لم يجئ .
( 2 ) بريرة : مولاة عائشة رضي الله عنها كانت لعتبة بن أبي لهب .
وقيل : لبعض بنى هلال ، فكاتبوها ثم باعوها فاشترتها عائشة ، وجاء الحديث في شأنها بأن الولاء لمن أعتق .
( 3 ) كذا في الأصول . وكان ينبغي : ويبطل ما التزمه ، وقد يريد بالزيجة الهيئة التي حصل عليها العقد .
( 4 ) هي صفية بنت حيى بن أخطب ، سباها رسول الله صلى الله عليه وسلم .