الثامنة - اعلم أن هذا العدد مثنى وثلاث ورباع لا يدل على إباحة تسع ، كما قال من
بعد فهمه للكتاب والسنة ، وأعرض عما كان عليه سلف هذه الأمة ، وزعم أن الواو جامعة ،
وعضد ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم نكح تسعا ، وجمع بينهن في عصمته . والذي صار
إلى هذه الجهالة ، وقال هذه ( 1 ) المقالة الرافضة وبعض أهل الظاهر ، فجعلوا مثنى مثل اثنين ،
وكذلك ثلاث ورباع . وذهب بعض أهل الظاهر أيضا إلى أقبح منها ، فقالوا بإباحة
الجمع بين ثمان عشرة ، تمسكا منه بأن العدل في تلك الصيغ يفيد التكرار والواو للجمع ، فجعل
مثنى بمعنى اثنين اثنين وكذلك ثلاث ورباع . وهذا كله جهل باللسان والسنة ، ومخالفة
لاجماع الأمة ، إذ لم يسمع عن أحد من الصحابة ولا التابعين أنه جمع في عصمته أكثر من
أربع . وأخرج مالك في موطئه ، والنسائي والدار قطني في سننهما أن النبي صلى الله عليه وسلم
قال لغيلان بن أمية الثقفي وقد أسلم وتحته عشر نسوة : ( اختر منهن أربعا وفارق سائرهن ) .
وفي كتاب أبي داود عن الحارث بن قيس قال : أسلمت وعندي ثمان نسوة ، فذكرت ذلك
للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( اختر منهن أربعا ) . وقال مقاتل : إن قيس بن الحارث
كان عنده ثمان نسوة حرائر ، فلما نزلت هذه الآية أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطلق
أربعا ويمسك أربعا . كذا قال : ( قيس بن الحارث ) ، والصواب أن ذلك كان حارث ابن قيس
الأسدي كما ذكر أبو داود . وكذا روى محمد بن الحسن في كتاب السير الكبير : أن ذلك كان حارث
ابن قيس ، وهو المعروف عند الفقهاء . وأما ما أبيح من ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فذلك من
خصوصياته ، على ما يأتي بيانه في ( الأحزاب ( 2 ) ) . وأما قولهم : إن الواو جامعة ، فقد قيل ذلك ،
لكن الله تعالى خاطب العرب بأفصح اللغات . والعرب لا تدع أن تقول تسعة وتقول اثنين
وثلاثة وأربعة . وكذلك تستقبح ممن يقول : اعط فلانا أربعة ستة ثمانية ، ولا يقول ثمانية عشر .
وإنما الواو في هذا الموضع بدل ، أي انكحوا ثلاثا بدلا من مثنى ، ورباع بدلا من ثلاث ،
ولذلك عطف بالواو ولم يعطف بأو . ولو جاء بأو لجاز إلا يكون لصاحب المثنى ثلاث ،
ولا لصاحب الثلاث رباع . وأما قولهم : إن مثنى تقتضي اثنين ، وثلاث ثلاثة ،
هامش
( 1 ) في ه : بهذه .
( 2 ) راجع ج 14 ص 212