ذلك مالك لأنه يستحب أن يكون الصداق معجلا ، والإجارة والحج في معنى المؤجل . احتج
أهل القول الأول بأن الله تعالى قال : ( بأموالكم ) وتحقيق المال ما تتعلق به الأطماع ، ويعد
للانتفاع ، ومنفعة الرقبة في الإجارة ومنفعة التعليم للعلم كله ليس بمال . قال الطحاوي :
والأصل المجتمع عليه أن رجلا لو استأجر رجلا على أن يعلمه سورة القرآن سماها ، بدرهم
لم يجز ، لان الإجارات لا تجوز إلا لاحد معنيين ، إما على عمل بعينه كخياطة ثوب وما أشبهه ،
وإما على وقت معلوم ، وكان إذا استأجره على تعليم سورة فتلك إجارة لا على وقت معلوم ولا
على عمل معلوم ، وإنما استأجره على أن يعلم ، وقد يفهم بقليل التعليم وكثيره في قليل الأوقات
وكثيرها . وكذلك لو باعه داره على أن يعلمه سورة من القرآن لم يجز للمعاني التي ذكرناها
في الإجارات . وإذا كان التعليم لا يملك به المنافع ولا أعيان الأموال ثبت بالنظر أنه
لا تملك به الأبضاع . والله الموفق . احتج من أجاز ذلك بحديث سهل بن سعد في حديث
الموهوبة ، وفيه فقال : ( اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن ) . في رواية قال :
( انطلق فقد زوجتكها فعلمها من القرآن ) . قالوا : ففي هذا دليل على انعقاد النكاح وتأخر
المهر الذي هو التعليم ، وهذا على الظاهر من قوله : ( بما معك من القرآن ) فإن الباء للعوض ،
كما تقول : خذ هذا بهذا ، أي عوضا منه . وقوله في الرواية الأخرى : ( فعلمها ) نص
في الامر بالتعليم ، والمساق يشهد بأن ذلك لأجل النكاح ، ولا يلتفت لقول من قال إن ذلك
كان إكراما للرجل بما حفظه من القرآن ، أي لما حفظه ، فتكون الباء بمعنى اللام ، فإن
الحديث الثاني يصرح بخلافه في قوله : ( فعلمها من القرآن ) . ولا حجة فيما روي عن أبي طلحة
أنه خطب أم سليم فقالت : إن أسلم تزوجته فأسلم فتزوجها ، فلا يعلم مهر كان أكرم من
مهرها ، كان مهرها الاسلام فإن ذلك خاص به . وأيضا فإنه لا يصل إليها منه شئ
بخلاف التعليم وغيره من المنافع . وقد زوج شعيب عليه السلام ابنته من موسى عليه السلام
على أن يرعى له غنما في صداقها ، على ما يأتي بيانه في سورة ( القصص ( 1 ) ) . وقد روي من
حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل من أصحابه : ( يا فلان هل
هامش
( 1 ) راجع ج 13 ص 271 فمن بعد .