فيستأصلوا أهلها ، فقالوا ما أخبرنا الله عنهم : " حسبنا الله ونعم الوكيل " . وبينا قريش قد
أجمعوا على ذلك إذ جاءهم معبد الخزاعي ، وكانت خزاعة حلفاء النبي صلى الله عليه وسلم وعيبة ( 1 )
نصحه ، وكان قد رأى حال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وما هم عليه ، ولما رأى عزم
قريش على الرجوع ليستأصلوا أهل المدينة احتمله خوف ذلك ، وخالص نصحه للنبي صلى الله
عليه وسلم وأصحابه على أن خوف قريشا بأن قال لهم : قد تركت محمدا وأصحابه بحمراء الأسد
في جيش عظيم ، قد اجتمع له من كان تخلف عنه ، وهم قد تحرقوا عليكم ، فالنجاء النجاء !
فإني أنهاك عن ذلك ، فوالله لقد حملني ما رأيت أن قلت فيه أبياتا من الشعر . قال :
وما قلت ؟ قال : قلت :
كادت تهد من الأصوات راحلتي * إذ سالت الأرض بالجرد الأبابيل ( 2 )
تردي بأسد كرام لا تنابلة * عند اللقاء ولا ميل معازيل ( 3 )
فظلت عدوا أظن الأرض مائلة * لما سموا برئيس غير مخذول
فقلت ويل ابن حرب من لقائكم * إذا تغطمطت البطحاء بالخيل ( 4 )
إني نذير لأهل البسل ضاحية * لكل ذي إربة منهم ومعقول
من جيش أحمد لا وخش قنابله * وليس يوصف ما أنذرت بالقيل * ( 5 )
قال : فثنى ذلك أبا سفيان ومن معه ، وقذف الله في قلوبهم الرعب ، ورجعوا إلى مكة
خائفين مسرعين ، ورجع النبي صلى الله عليه وسلم في أصحابه إلى المدينة منصورا ، كما قال
الله تعالى : " فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء " [ آل عمران : 174 ] أي قتال ورعب . واستأذن
هامش
( 1 ) عيبة الرجل : موضع سره .
( 2 ) الجرد : خيل قصيرة شعر الجلد . أبابيل : فرقا .
( 3 ) ردت الخيل رديا ورديانا : رجمت الأرض بحوافرها في سيرها وعدوها . والتنابلة : القصار ، واحدهم
تنبال . والأميل : الذي يميل على السرج ولا يستوى عليه . وقيل : هو الكسل الذي لا يحسن الركوب والفروسية .
والمعازيل : القوم ليس معهم سلاح ، واحدهم معزال .
( 4 ) في الروض الأنف : " تغطمطت البطحاء ،
لفظ مستعار عن الغطمطة ، وهو صوت غليان القدر . قوله ( الخيل ) وفى ه وابن هشام ط أوروبا : الجيل . والأول فيه
سناد . ولعله : الخيل جمع أخيل فلا سناد .
( 5 ) الوخش : رذال الناس . والقنابل : الطائفة من الناس ومن الخيل ، وفى ج وز والسيرة ط مصر مع الروض :
تنابلة . وفى ط وى وه : تناتلة : تنتل الرجل إذا الرجل إذا تقذر بعد التنظف .