لا يعلمون ) . قال علماؤنا : فالحاكي في حديث ابن مسعود هو الرسول عليه الصلاة والسلام ،
وهو المحكي عنه ، بدليل ما قد جاء صريحا مبينا أنه عليه الصلاة والسلام لما كسرت رباعيته وشج
وجهه يوم أحد شق ذلك على أصحابه شقا شديدا وقالوا : لو دعوت عليهم ! فقال :
( إني لم أبعث لعانا ولكني بعثت داعيا ورحمة ، اللهم أغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ) . فكأنه
عليه السلام أوحى إليه بذلك قبل وقوع قضية أحد ، ولم يعلنه له ذلك النبي ، فلما وقع له ذلك
تعين أنه المعنى بذلك بدليل ما ذكرنا . ويبينه أيضا ما قاله عمر له في بعض كلامه : بأبي أنت
وأمي يا رسول الله ! لقد دعا نوح على قومه فقال : " رب لا تذر على الأرض من الكافرين
ديارا " [ نوح : 26 ] ( 1 ) الآية . ولو دعوت علينا مثلها لهلكنا من عند آخرنا ، فقد وطئ ظهرك وأدمي وجهك
وكسرت رباعيتك فأبيت أن تقول إلا خيرا ، فقلت : ( رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ) .
وقوله : ( أشتد غضب الله على قوم كسروا رباعية نبيهم ) يعني بذلك المباشر لذلك ، وقد ذكرنا
اسمه على اختلاف في ذلك ، وإنما قلنا إنه خصوصي في المباشر ، لأنه قد أسلم جماعة ممن شهد أحدا وحسن إسلامهم .
الثانية - زعم بعض الكوفيين أن هذه الآية ناسخة للقنوت الذي كان النبي صلى الله عليه
وسلم يفعله بعد الركوع في الركعة الأخيرة من الصبح ، وأحتج بحديث ابن عمر أنه سمع النبي صلى
الله عليه وسلم يقول في صلاة الفجر بعد رفع رأسه من الركوع فقال : ( اللهم ربنا ولك الحمد
في الآخرة - ثم قال - اللهم العن فلانا وفلانا ) فأنزل الله عز وجل " ليس لك من
الامر شئ أو يتوب عليهم أو يعذبهم " الآية . أخرجه البخاري ، وأخرجه مسلم أيضا من
حديث أبي هريرة أتم منه . وليس هذا موضع نسخ وإنما نبه الله تعالى على نبيه على أن الامر
ليس إليه ، وأنه لا يعلم من الغيب شيئا إلا ما أعلمه ، وأن الامر كله لله يتوب على من يشاء
ويعجل العقوبة لمن يشاء . والتقدير : ليس لك من الامر شئ ولله ما في السماوات وما في الأرض
دونك ودونهم يغفر لمن يشاء ويتوب على من يشاء . فلا نسخ ، والله أعلم . وبين بقوله :
" ليس لك من الامر شئ " أن الأمور ( 2 ) بقضاء الله وقدره ردا على القدرية وغيرهم .
هامش
( 1 ) راجع ج 18 ص 312 .
( 2 ) في نسخة : ه وب ود ، وفى غيرها : الامر .