قاله تعالى على جهة التعجب ( 1 ) ، أي ( وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله )
يعني القرآن . ( وفيكم رسوله ) محمد صلى الله عليه وسلم . قال ابن عباس : كان بين الأوس
والخزرج قتال وشر في الجاهلية ، فذكروا ما كان بينهم فثار بعضهم على بعض بالسيوف ،
فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فذهب إليهم ، فنزلت هذه الآية " وكيف تكفرون
وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله - إلى قوله تعالى : فأنقذكم منها " ويدخل في هذه
الآية من لم ير النبي صلى الله عليه وسلم ، لان ما فيهم من سنته يقوم مقام رؤيته . قال الزجاج :
يجوز أن يكون هذا الخطاب لأصحاب محمد خاصة ، لان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان فيهم
وهم يشاهدونه . ويجوز أن يكون هذا الخطاب لجميع الأمة ، لان آثاره وعلاماته والقرآن الذي
أوتى فينا مكان النبي صلى الله عليه وسلم فينا وإن لم نشاهده . وقال قتادة : في هذه الآية علمان
ببنان ؟ : كتاب الله ونبي الله ، فأما نبي الله فقد مضى ، وأما كتاب الله فقد أبقاه بين أظهرهم
رحمة منه ونعمة ، فيه حلاله وحرامه ، وطاعته ومعصيته . ( وكيف ) في موضع نصب ، وفتحت
الفاء عند الخليل وسيبويه لالتقاء الساكنين ، واختير لها الفتح لان ما قبل الفاء ياء فثقل أن
يجمعوا بين ياء وكسرة . قوله تعالى : ( ومن يعتصم بالله ) أي يمتنع ويتمسك بدينه وطاعته .
( فقد هدى ) وفق وأرشد ( إلى صراط مستقيم ) . ابن جريج " يعتصم بالله " يؤمن به .
وقيل : المعنى ومن يعتصم بالله أي يتمسك بحبل الله ، وهو القرآن . يقال : أعصم به واعتصم ،
وتمسك واستمسك إذا امتنع به من غيره . واعتصمت فلانا هيأت له ما يعتصم به . وكل
متمسك بشئ معصم ومعتصم . وكل مانع شيئا فهو عاصم ، قال الفرزدق :
أنا ابن العاصمين بني تميم * إذا ما أعظم الحدثان نابا
قال النابغة :
يظل من خوفه الملاح معتصما * بالخيزرانة بعد الأين والنجد ( 2 )
هامش
( 1 ) كذا في ب وز وح . أي التعجب والانكار كما في الكشاف .
( 2 ) الخيزرانة : السكان ، وهو ذنب السفينة . والابن : الفترة والاعياء ، والنجد ( بالتحريك ) : العرق من
عمل أو كرب أو غيره .